كان المصري القديم معتزًا بوطنه، شديد الحنين إلى أهله وأرضه، فقد أحب مصر وطنه، أحب أرضها وسماءها، وشمسها وقمرها، أحب ليلها ونهارها، ونيلها وقفرها.

ولقد أوتي المصري القديم عاطفة جياشة وإحساسًا مرهفًا نحو وطنه وأرضه، وظهر ذلك في أفعاله وأقواله، ومن أروع ما تركه لنا الأدب المصري القديم في هذا الشأن ما ذُكر في قصة «سنوهي»[1] الذي خرج مع فرقة من الجيش المصري بقيادة ولي العهد «سنوسرت الأول» لقتال الليبيي[2]، وخلال المعركة وصل سرًّا نبأ اغتيال الملك «أمنمحات الأول» واستدعاء ولي العهد، وما إن سمع سنوهي بهذا الخبر الجلل خلسة؛ حتى انتابه الفزع[3]؛ وشعر بأن هناك فتنة سوف تقع بالقصر، وقرر ألا يعود إلى القصر أبدًا، ففر هاربًا يقطع الفيافي والقفار حتى تُسلمه بلد إلى بلد، وخلال ذلك بلغ به الجوع والعطش والإعياء مبلغه وكاد يهلك، وفي النهاية وصل إلى سوريا، فاستقبله حاكمها أحسن استقبال، وأكرم وفادته وقربه منه وزوجه كبرى بناته، ومنحه من الأرض الكثير، فكثر ماله وولده وأصبح ذا ثراء ضخم وسلطان واسع وجاه عريض، فتبدل شقاؤه سعادة، وخوفه أمنًا، حتى إنه يوصف حاله هذا فيقول: «أصبحت غنيًا بما عندي من عبيد ومال وبيت فخم ومكانة رفيعة، لقد فعل ربي ما فعله بي رحمة بمن أضله الهوى ففر إلى بلد غريب، لقد كنت بالأمس لاجئًا ولكني أجد اليوم من ينتصر لي، كنت هاربًا أبيت على الطوى ويبرح بي الألم والجوع ، والآن يطعم الجار من زادي، وكنت أهيم بعيدًا عن وطني في العراء، ولكني أملك اليوم الثياب الكثيرة والملابس البيضاء، كنت حائرًا مضطرًا إلى الجري لا أجد من أرسله، أما اليوم فأنا أملك جموع العبيد، وهذه داري أنيقة ورحابي واسعة، وقد ارتفع ذكري إلى مسامع القصر».

ورغم هذا النعيم الرغد الذي عاشه سنوهي، إلا أن انشغاله بوطنه وحنينه إلى أرضه ظل عالقـًا بقلبه وعقله، وعاش متطلعًا لأن يُواري جسده تراب مصر بعد موته، وبعد أن بلغ به الشيب مبلغه، عفا عنه «سنوسرت الأول» وسمح له بالعودة إلى وطنه، فلم يصدق، وأخذ يجوب الطرق فرحًا مسرورًا، وقد صور لنا هذا الشعور فقال: «يا رب، يا من قدر علىَ الفرار، كن رحيمًا بي وأعدني إلى بلادي، هلا قدرت لي رؤية البقعة التي يحن قلبي للعيش فيها؟! أمن شيء لدى أعظم عندي من أن يدفن جسدي في الأرض التي ولدت فيها، ارحمني يا رب، ولما خوطب جلالة ملك الشمال والجنوب، في حالي، أسرع بالكتابة إليَ أن، هيا عد إلى مصر، وبلغني هذا الأمر وكنت واقفـًا بين أقاربي من أهل القبيلة، فلما قُرئ عليّ خررت ساجدًا، ثم قبضت قبضة من تراب فحثوتها على رأسي، ثم اندفعت في الحي حول خيامي وأنا أصرخ فرحًا».[4]

ولما وصل سنوهي إلى مصر، استقبله الملك وأمراء البيت الملكي أحسن استقبال معتزين به وبوطنيته، واصفين إياه بأنه: «الآسيوي الذي ولد في مصر!».

فالوطن عند المصري كان -وما يزال- لا يعدل مالًا ولا جاهًا، ولا وطنًا بديلًا، وكانت العودة إلى الوطن ورؤية الزوجة والأبناء أقصى ما يتمناه المغترب، ومن أشد ما يبعث على الفرح والسرور والسعادة والبِشر، وتحمل لنا النقوش المصرية القديمة قصة ذلك البحار الذي حطمت الأنواء سفينته، وحملته الأمواج بين الحياة والموت إلى جزيرة في البحر[5]، فاستقبلته هناك الأفعى ملكة الجزيرة، فأحسنت استقباله وهدأت من روعه وبشرته بالعودة إلى وطنه وأهله وقالت له مسلية: «ولسوف تملأ أحضانك بأبنائك وتُقبل زوجتك وترى بيتك، وأجمل من كل شيء أنك سوف تبلغ وطنك وتعيش هناك مع أطفالك وفي وسط إخوتك، انظر لسوف تبلغ وطنك في شهرين فتأخذ أطفالك في أحضانك وتسعد في بيتك»، وبالفعل عاد إلى وطنه سالمًا غانمًا، محملًا بخيرات الجزيرة التي منحتها إياه الأفعى، قائلة له: اذكرني عند أهلك بخير!

وإني لأهدي هذه المقالة لكل مغترب اضطر إلى الخروج من وطنه، وما زال الحنين يراوده، وأبشره قائلًا: عما قريب، ستبلغ وطنك وتأخذ أطفالك في أحضانك، وتسعد في بيتك.

—————————

[1] سنوهي شخصية حقيقية، فهو أحد رجال القصر؛ وعاش في عهد الملكين أمنمحات الأول وسنوسرت الأول خلال الأسرة الثانية عشر، وقصته هذه محفوظة في برديتين بمتحف برلين بألمانيا.

[2] لمعرفة المزيد انظر: أحمد محمد البربري، الأدب المصري القديم، القاهرة، 2006.

[3] ربما كان سنوهي أحد المشاركين في مؤامرة اغتيال الملك.

[4] للمزيد انظر: أحمد عبدالحميد يوسف، الوطنية في الأدب المصري القديم، مجلة الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، العدد 80، القاهرة 1963، ص.76-80.

[5] ويطلق عليها: قصة البحار الغريق، وهي من قصص عصر الدولة الوسطى، وقد وصلت إلينا كاملة في بردية موجودة حاليًا بمتحف ليننجراد بروسيا، وقد وقعت أحداث هذه القصة في إحدى جزر البحر الأحمر النائية نحو الجنوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أثري, مصري, وعي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد