لا ينزل الناس إلى الميادين ضد نظام مستبد وضد خطابه الإعلامي، إلا إن كانت لهم مظالم اجتماعية وسياسية، ومخاوف على بلادهم ومستقبلهم ومقدراتهم، إلا أن يكون هناك جرح غائر من التخلف والتبعية وتردي الأوضاع عموما.

*  *  *

في مثل هذه الأيام قبل سبعة أعوام.. أدرك المصريون أن بإمكانهم أن يصنعوا شيئا، وأن يغيروا التاريخ، وأن يوقفوا الانهيار، وأن يحسّنوا أوضاعهم، وأن يقرروا مصيرهم وهويتهم وشكل بلادهم، بل أن يقوموا بمحاولات جادّة للخروج من التخلف وكسر طوق التبعية، وأن يكونوا أندادا للأمم المتقدمة، بل أن يحوزوا إعجاب العالم ويصبحوا محل قدوة؛ يردد الأمريكيون في داون إستريت هتافاتهم وباللغة العربية وباللهجة المصرية! وأن تشكل أممٌ ميادين للتحرير على غرار ميداننا.

قبع الظلام خلف النور وقبعت البوم والغربان خلف الصبح الذي كان قد لاح.. مزقه جيل الهزائم وعجائز الستينيات وأفواج مندفعة، ومتدينون قضوا على حلم أمتهم وأعادوا الناس الى داخل أسوار السجن الكبير باسم الدين! وفنانون ظهر خواؤهم ورداءة نفوسهم، وسياسيون دجالون، وإعلاميون قبضوا ثمن الدم والخراب، وقطعان ناطحة رافسة غاضبة تمتلئ أحقادا لتطوّق عنقها بالحبل وتتردى مع بلادها في بئر مهين، ثم ليصرخوا صراخ الأحمق وينادوا نداء العاجز!

عادت الأفواج الى الحظيرة؛ هتفوا عن الوطنية المكذوبة في بلاهة، وأمسكوا خنجرا طعنوا به أشرفَ من جاءهم، وخير من قادهم، ومن طلب لهم الخير وأخلص لله ولهم، وفداهم بنفسه.. ثم أعطوا قيادهم لجزارهم، يطعن أخلص أبنائهم ويطعنهم!

*  *  *

لكن بقيت بقية، واشتعلت جذوة، ورأى قوم ما خلف السور الذي سُجنوا خلفه عقودا، وعرفوا أن خلف الأسوار عِزة وكرامة، ومروجًا وأنهارًا، وأن الدنيا أفسح مما صور لهم السجان حيث صور لهم أنه ليس أفسح من جدران سجنهم!

بقيت بقية علموا أنهم قادرون وليسوا عجزة كما صور لهم السجان؛ ولن يرضوا بأقل من تحطيم السور..

عانق قوم السحاب وعلموا أن بإمكانهم التحليق والارتفاع ولن يرضوا بالرجوع.

بقيت بقية في تيار الأحداث وواقع اليوم؛ إذ اتضحت الأمور وأخذ يتكلم الناس اليوم عن تاريخ العسكر وعن التبعية للصهاينة والأمريكان، وعن الفساد ومؤسساته وعن الطائفية وأبعادها، وعن دينهم ودوْره وعن حقيقة الصراع، وعن سعة تصور معنى (الأمة) لما في طياتها من أعراقٍ وطوائف.. وأن الإسلام هو السبيل، وهو حبل النجاة.

*  *  *

علم الناس ما خلف الأحداث وأنه تآمر إقليمي ودولي، وفساد متجذر قابل للبيع والتآمر، وحقد المنافقين في الداخل وهو حقد دموي فاجر. علموا الفراغ الموجود في الأمة.. فراغ من البيان الصادق للأمة، وفراغ من المؤسسات المنتمية لهذه البلاد ولهذا الدين تعمل للأمة لا للتآمر عليها.

وفراغ العمل الإسلامي من قوى كثيرة كان يجب بناؤها، ومن مفاهيم حاسمة كان يجب إيصالها لتنير للناس الطريق؛ مفاهيم شرعية ومفاهيم سياسية تشرح لهم العالم الذي يعيشون فيه، وتشرح لهم التاريخ الذي كانوا فيه وما أدى الى واقع اليوم.. وما يجب اليوم من موقف وتصحيح، وإنقاذ.

وما تفرضه اللحظة الآن من حشد للأمة لاسترجاع رايتها وامتلاك أمرها ومقاومة التغييب الفكري والواقعي.

*  *  *

عندما انتصرت موجة الثورة المضادة، وأغرقت البلاد في استبداد غاشم، كما أغرقت ما حولها من البلاد في دوامة لا تنتهي، حتى أوصلت رسالة حاسمة وعبرة لكل من حاول امتلاك حريته والخروج من الاستبداد والانعتاق من التبعية ومحاولة تحقيق الحلم.. فجعلت دوامة العنف في ليبيا وضياع اليمن وتمزيق سوريا والاستبداد القاتم في بلادنا رسالةً رادعة.

عندئذ ظن البعض أن يناير مؤامرة وأنه تم التجهيز لها مسبقًا؛ بدلالة ما حدث لاحقًا.. وهذا وهْم كبير وإن ارتاح إليه البعض موفرًا على نفسه ثقل المعرفة ومواجهة الحقيقة!

بينما الحقيقة البسيطة هي أن الغرب الذي أشرف على إجهاض الثورات يمتلك، كما تمتلك القوى الإقليمية والأجهزة القمعية المحلية، قدرة ًعلى المرونة وامتصاص الصدمات والتفاعل معها، ورسم وتغيير خطط المواجهة ووضع سيناريوهات وبدائل.

*  *  *

إن سرعة الكرّ بعد  الفر والمرونة في امتصاص الصدمات، وسرعة الفيء هو ما كان يجب أن تمتلكه (الأمة)، وقد كانت تمتلكه بالفعل طوال تاريخها، وتغلبت به على انكساراتها، فبعد الهزيمة المؤقتة أمام الصليبيين عادت لتطردهم وتُنهي أحلامهم وتقطع دابرهم وتجعلهم ذكرى.. ثم يستفيد الصليبيون من الحضارة الاسلامية ويتغير واقعهم بما اكتسبوه من بذور الحضارة من هذه الأمة!

سرعة العودة هي التي أوقفت التتار وكسرتهم وقضت على بربريتهم، ثم أدخلتهم في الإسلام، ثم صاروا حملة لهذا الدين وامتدادا لحضارته. إنها عجائب التاريخ لكنها حدثت؛ إذ كانت الأمة حيةً تمدّ قواها المدنيةُ قواها المواجهة بما تحتاجه للتغيير، كما تمدها بالعقيدة الدافعة والقوة الروحية الهائلة، لتوقف الانهيار وتجبر الانكسار.

لكن اليوم تفتقد الأمة الى سرعة الكرّ بعد الفر، وسرعة الفيء والعودة، وبطء الإقالة بعد العثرة.. إذ تطول العثرة ويمتد الانكسار أكثر مما ينبغي.

وقفت قوى الظلام لتمتص صدمة أفواج الجماهير، ثم استوعبتها، ثم رسمت خريطة بمفردات قوى الجماهير وتنوعاتها واتجاهات مكوناتها، ثم كان التعامل في تفاصيل مغرقة وخبيثة، واستخدام المتناقضات الطائفية أو العرقية أو الإيديولوجية.. ومن ثَم قعت الشعوب وقوى الثورات في فخ هذه التفاصيل وفي المتناقضات ولم تكن القيادات بالوعي الذي يجنبها الوقوع، أو كان الأمر أكبر من الجميع.

عندما استخدمت قوى الثورة المضادة ـ بدعم إقليمي ودولي، بل بإشراف منهم ـ خططًا بديلة حتى نجحت؛ ظن البعض أن يناير من الأساس كانت مؤامرة.. ولم يدرك أنها القدرة على إدارة الصراع.

*  *  *

تحتاج الأمة اليوم، بشعوبها وتنوعاتها، الى مرونة امتصاص الصدمة والقدرة على العودة وسرعة الفيء والتعافي من الانكسار سريعًا، ولملمة الجراح والتعالي عليها، وأن تقتفي أثر شعاع النور الذي أضاء لهم يومًا.

القدرة على العودة والمرونة، وعدم الخديعة بالتفاصيل.. القدرة على إدارة الصراع وتجنب الفخاخ الطائفية والعرقية، وعدم زيغ الأبصار عن الأهداف الرئيسة.. هذه كلها تحتاجها شعوبنا للخروج من مأزقها.

بالرغم من كل الغيوم ثمة حدث وقع، وأثر بقي، وهو قابل للامتداد.. بل طبيعته الامتداد حتى يحدد للضياء مسارًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد