في هذا الزمان الذي هو آخر زمان البشر، وآخر زمان الدنيا أجمع، الكل يعاني شيئًا ما، الكل يعاني معاناةً من وجهة نظره وعلى قدر تحمله.. لا توجد مصائب طبعًا أكبر من مصيبةٍ في الدين، لكن على الرغم من ذلك، فإن كل ما يرهق روح الإنسان معاناة، شاء من شاء، وأبى من أبى، ولهذا فإن المقال يتحدث عنا جميعًا، وعن كيف أننا نعاني بتفاوت.

ذات يوم من الأيام الكثيرة أرسلت لي صديقة فيديو ظريفًا جدًا، فحواه أن كل العالم لهم أهل محبطون، فلا يجدر بأحد التفكير في أنه الوحيد الذي يعاني من مشكلةٍ كهذه، بل على الجميع معرفة كيف أن العالم كله يعاني، ثم إنه لا يعاني، بل يمكن أن يكون الحل بسيطًا، الحقيقة أن حتى هذا الجزء لا اعتراض على أي شيء، وبالطبع هو كلامٌ صحيح لا عيب فيه، لكن المشكلة تكمن في جزءٍ آخر من الفيديو، والذي جعلني أمقت الفيديو كليةً.

هاك الجزء الذي استفزني بشكلٍ مباشر، ألم يكن نبينا إبراهيم يُحارب من أبيه؟ أولم يكن رسولنا محمد (عليه الصلاة والسلام) يُحارب من عمه؟ أتريد أن تكون مكان أحدهما؟ هكذا كانت الأسئلة وبالطبع لا تريد لأنك لن تتحمل في الواقع لا أحد في هذا الزمان يريد شيًا مماثلًا، وفي النهاية أنت لا تعاني، لكن الأنبياء والرسل هم من عانوا فقط. كي يكون الأمر باديًا واضحًا لا إعتراض لديّ على أن الأنبياء والرسل عانوا بشدة مع أهليهم وأقوامهم ولا أنكر ذلك للحظة، لكن المعضلة تكمن عندي في المقارنة بينهم وبيننا!

أكره فكرة أن يُقارن بين بشر عاديّ وبين نبيّ أو رسول، الشيء الأول الواضح جدًا هو أنه لا مجال للمقارنة من الأساس، لكل نبيٍّ أو رسول عونٌ إلهيّ ووحي يجعله متأكدٌ من أن المدد قادم ومن أن كل كربٍ إلى زوال لا محالة، ثم إن الأنبياء والرسل لهم نفوسٌ لا يحملها بشرٌ عاديون مهما صاروا على مقربةٍ من ربهم.. الحقيقة أننا لا نشبههم في شيء أبدًا لأننا ضعفاء النفس بحق، وإن جئت لتخيرني بين حياتي بمشاكلها وحياة نبيٍّ أو رسول بمشاكلها لما اخترت الأخيرة أبدًا، ليس كسلًا طبعًا، لكنه اختيار نابعٌ من ضعفٍ بشريٌّ بحت.

ولأن السنوات الأخيرة انتشر بيننا نحن الشباب الاكتئاب بشكلٍ ملحوظ، فمن الطبيعيّ أننا في أوقاتٍ كتلك نعلم جيدًا مدى هشاشتنا من الداخل وكل ما نحتاجه هو أن يأتي أحدهم ليخبرنا كم أننا أقوياء، وكيف أن كل مر سيمر… إلخ من هذا الكلام الحماسيّ جدًا. المشكلة أن لا أحد يفعل كل هذه الأشياء أبدًا.

عوضًا عن ذلك تجد من يخبرك بأن ربنا كبير وبأنك يجب أن تقترب من ربك وتجد آخرين يخبرونك بأن (ديه مش آخر الدنيا) أو مثلًا (كلنا عندنا مشاكل)، الحقيقة أنهم لا يعلمون أنك لازلت تحاول لأنك تعلم أن ربنا كبير، ولأنك لم تبتعد عنه لحظة، ولا يعلمون أنك تعلم جيدًا أنك لست الوحيد صاحب المشاكل، أو أن مشكلاتك ليست الأفظع.

لا يوجد في زماننا من يظن أنه الوحيد الغارق في مشكلاته، وإن وجدوا فإنهم قليلون، لهذا فلا يوجد بيننا من يحب أن يُقارن ببشر مثله، فما بالك بأن يأتي من يضعك داخل مقارنة لا معنى لها مع نبيّ أو رسول؟ شأنك أقل وأحط بكثير من شأن النبي والرسول، فلا يمكن مقارنتك به مهما كانت الأسباب!

علينا جميعًا أن نعلم كم أن الله قريب، قريبٌ منا بحق ويرسل مدده في كل لحظة دون أن نشعر ولا شك في هذا أبدًا، لكننا لسنا أنبياء أو رسل حتى نعلم أننا سننجو من اكتئابنا. نحن حقًا لا نعلم أية نهاية ستظفر بنا، فلا يأتيني أحدهم ليخبرني أن الأنبياء والرسل عانوا في كذا وكذا؛ لأنني لست نبيًا ولا رسولًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد