حينما تدعي أن ماضي الأمة التليد وفجرها المضيء غير معترف به لديك، أو لا يعمل به؛ فأنت ببساطة تنكر ما جاء به سيدنا محمد، وتخرج نفسك من الإسلام دون علمك، وتصنع صنمًا من عجوة يدعى «الحداثة»، وتعمل على تجهيل نفسك وتضليلها دون رؤية واضحة، فالحق ليس جديدًا، بل من أحدث في أمرنا هذا فهو رد، والأمر هو الإسلام الموروث «الإرث»، وجاء في الحديث أن العلماء ورثت الأنبياء، فالادعاء أن في الإسلام الحقيقي نقص أو خطأ في حد ذاته وصف لا يليق بالمسلم، إلا إذا كان يريد ويقصد إسلامًا غير الذي جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم.

فالميزة التي يعرف بها الإسلام الحق هو اختلافه عن غيره من الأفكار، فهو لا يقارن بالأفكار والمعتقدات الأرضية الوضعية، بل هو يؤثر فيها ويتفوق عليها، ولذلك محاولة تتبيع الإسلام بأصوله والسعي إلى إلحاقه بركب الحضارة الغربية الناقمة أصلًا على مبادئه، والساعية إلى إزاحته وفرض أنظمتها بأيديولوجيات ورؤى تحميها جيوش، وتقف وراءها مخططات هدامة ظهرت آثارها على غريمها الإسلامي؛ فأزاحت أنظمة، ودمرت دولًا، كل ذلك من أجل فرض الهيمنة الثقافية والتسلط على الإسلام فكريًّا، وتشويه سمعة الدعوة الإسلامية، وإبعاد الناس عنها بنشر الأكاذيب، وتمرير أجندتها الماكرة لتدمير الإسلام، وتشكيل بدائل في كل دولة تصنع إسلامًا متزعزعًا، ومائلًا إلى الغرب، وتابعًا له ومنقادًا لسياساته، ومشاركًا في هدم الإسلام الحقيقي الذي نجح الأوائل في العبور به إلى قلب أوروبا وكل العالم بفكر مختلف تمامًا.

حتى أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يدعو المسلمين إلى عدم التشبه بغيرهم معنويًّا وحسيًّا في الأخلاق والأقوال والملبس والمشرب، وحتى في أدق التفاصيل حفاظًا على الإسلام من الذوبان والاختلاط بغيره من زبد الأفكار المحدثة والباطلة التي في مجملها تقود إلى التبختر والتملق في السلوك، والاهتمام بمظهر الأشياء دون الأخذ بعين الاعتبار تأثيرها في الناس ومدى حاجتهم إليها.

إن الاتجاه لنقد التأريخ الإسلامي، وفي هذه الظروف التي تمر بها الأمة المسلمة، وفي هذه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام، هو خيانة لا تنم سوى عن عقلية تابعة للغرب، ساقطة في فخ ادعائه باحترام حقوق الإنسان وحريته، وهي تحيز سافر لكل ما هو غير إسلامي، وميل نحو مجتمع التحرر والخروج عن الأسس الدينية للحصول على حرية العري والشذوذ، ولا ريب في أن المجتمع المسلم يرفض المساس بعقيدته، ويتمسك بإرثه إلى أن يبلغ الرسالة التي وضعت على كاهله فردًا ما دام على قيد الحياة.

ولا يمكن في أي حال من الأحوال فصل الأمة عن ماضيها لتسير بدون هوية ودون رؤية، إلا إذا كان المراد لها أن تعيش لتقتات دون أن تكون ذات نهج قويم وفكر تسعى لإيصاله إلى العالم أجمع، وهذا مما يسعى بعض المتأثرين بالحضارة الغربية لإلصاقه بالإسلام، ومحاولة الكذب والاحتيال على المسلمين بأن الإسلام موافق للنظم الغربية في مسألة الحريات، وإنكار حدود أقرتها الشريعة ودعمت صحتها أعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته كحد الردة، وحد الرجم، وتلك الحدود من يتعداها أو يرتكبها وجبت عليه العقوبة بأمر من الله -عز وجل-، فمن يعترض على صحة تلك الحدود إنما هو مارق وجاهل بأحكام الإسلام، ولو فعلت عليه الأحكام لاستحق العقوبة المشددة باعتباره داعية إلى التمرد على حكم الله.

ثم إن من يحثون الناس على التخلي عن التراث باعتباره عائقًا للأمة إنما يستندون إلى أباطيل، ومسميات خالية من أي روح تدعو للارتقاء والسمو بالإنسان، بل هي في صميمها مسايرة للغرب، وذوبان في مستنقع حراكه الذي يدعو إلى النشوذ عن الإسلام، واعتبار الإسلام في مجمله لاغيًا، وطالما أن التنازل بدأ بحد فسيمتد إلى كل الحدود شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى ذروة تنازله فيجد نفسه يحارب الإسلام، ويقف في صف الغرب بتلك النبرة المتشددة التي عابوها على المتعصبين من المسلمين، واتهموهم بأقذر الألفاظ وأبشعها، فها هم اليوم يعيدون الكرة ويهاجمون الإسلام بتعصب فاق كل تصور، فهم يشددون على عدم جدوى الإسلام من بدايته وحتى نهايته ضربًا لأسسه، وطعنًا في أساسه مع سبق الإصرار والترصد، مع الادعاء بأنهم دعاة للإسلام عاملون به، فما أبشع هذا الوصف وما أكذبه، فإن إصلاح الإسلام لا يتأتى للطاعنين فيه والناقمين عليه.

ومن مظاهر السقوط التي وقع فيها هؤلاء مقاربة الأدلة القوية بالضعيفة، واختيار الضعيفة المختلف عليها قصدًا؛ لتمرير ما يرونه موافقًا للغرب في ذلك، وركوبًا لموجة التحرر التي اجتاحت أوروبا وفي ظاهرها رحمة وباطنها عذاب لا يدركه هؤلاء، ولا يبحثون عن عواقبه، وفي ذلك خيانة علمية، وتحيز مخل بأدب البحث العلمي، فمثلًا عند أخذ قضية كقتل المرتد، فإنهم ينظرون إلى معيار حق اختيار الفرد ما يراه حقًّا على غرار النسق الأوروبي ذلك، واعتبار الحد لاغيًا مع تعمد إهمال ما يدعو إلى قتل المرتد في الكتاب والسنة، بل والطعن في السنة لكثرة أدلتها في هذا الخصوص، واعتبارها عرضة للنقد والرد مع تقديس الرأي الخاص بهم المستمد من بعض الراضخين للضغوط والإغراءات، وربما العمالة للغرب، الساعي أصلًا لهدم الإسلام كما ذكرنا في بداية المقال.

ولو وضعنا هؤلاء في موضع الاتهام لنقيم عليهم حجة أدبية وعلمية، نسألهم عن المنهج الذي يسعون لاستبدال إرث المسلمين الأوائل به، أهو إسلام جديد لا علاقة له بالأول؟ أم أنه استبدال لذاك بكل أركانه وشروطه وأعلامه وقواعده وثوابته، بآخر موافق للحياة البائسة بظلمها وسحتها وغرورها وجرائمها وحروبها المستمرة، والتي في غالب الأحيان تنشب لدواعي تسلطية ليست كالتي خاضها المسلمون من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، بل من أجل أن تستقيم المصالح ويستمر التفوق والغطرسة والسلب والنهب لحقوق الغير؟

إن كانت محاكمة يسعى دعاة التحرر ودعاة الحداثة إلى إقامتها فليقيموها على الدول التي تدعيها جهرًا، وتعمل على كسر قيم حرية الإنسان وحقوقه، وتنتهك كرامته دون أن يكون للإسلام كلمة تقال أو يد تبطش، طوال هذه القرون التي اعتلى فيها الغرب سدة الحكم على العالم، فقرون أشاع فيها الإسلام العدل، ونشر فيها العلم في أوروبا في عصورها المظلمة، مقارنة بقرون قتل فيها الغرب ملايين من البشر، واستعمر أغلب دول العالم ناشرًا الزعر والخوف، سالبًا الأموال، ومنتهكًا الأعراض، أيهما أولى بالمحاكمة والمراجعة كتب التأريخ الإسلامي التي بين فيها العلماء للناس مقاصد الإسلام وواجبات المسلم، ووضحوا حكم الإسلام في الظالم والمظلوم والبائع والمشتري والمذنب والمحسن؟ أم فلسفات الغرب التي قادت إلى الجهل بالخالق والتخبط في وصف الدين وطبيعة العبادة؟

فمنهم من وصف الدين بأنه خدعة، ومنهم من وصفه بالقيد الذي يؤنب الضمير عند ارتكاب المعاصي والجرائم، دون إبداء الحقيقة المتعلقة بالدين الذي جاء لتنظيم حياة البشر، وتنظيم تعامل الفرد مع الجماعة، والجماعة مع الفرد، وواجبات ومستحقات كل منهما، وهذا بالضبط ما عمل الإسلام على تنظيمه ومراعاته، بحيث لا ضرر ولا ضرار، فلا الفرد يشق عصا الجماعة، ولا الجماعة تنتهك حق الفرد، وفي كل الحالات يعاقب المعتدي بما هو أهله من نوع العقاب دون أن تأخذهم رأفة في إقامة الحد؛ لأن مصلحة الجماعة تقدم على مصلحة الفرد، فلهم حياة في موت قاتل أو زاني منتهك للمجتمع، أو مارق خائن يؤنب غيره لمفارقة الدين، ويرسل رسالة لغير المسلمين تترجم بأنه لو كان خيرًا ما سبقونا إليه.

وإن كل من يسعى للاستهانة بأحكام الإسلام، ويتنكر لحدوده يجب أن يحذر ويراجع ذاته في هذا الخصوص، وليعلم أن إقامة الحد قد تطاله إن لم يتب، فالإسلام وإن عاد غريبًا فهو سيعود قريبًا ليقيم حدوده، ويرتب صفوف جنوده؛ لأن هذا الدين كتب له الخلود، ولن يستبدل بفكر أرضي مهما ظن الناس واغتروا بما يتلقفونه من ثقافات، وما يتبنونه من فلسفات.

فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حداثة, دعاة, ردة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد