يولدون كالتائهين في بطن الحوت، لا يعنيهم المفر، ولا يعنيهم الطريق، بل على العكس الُمتعارف عليه والمُدرك في الطبيعة البشرية المفرطة بالإنسانية التي تبحث عن الاستقرار الدائم اللامتناهى.

 
فهم يدركون أن قيمة اللحظة يأتي مما يجُلب عليها من أحداث، حتى وإن كانت مصائب لا تُحصى، فلا يهمهم.

 

 

 
تعلموا أن يُلقوا في بئر الخوف من أجل ما يكتبون، وليس فقط ما يكتبون، بل ما يكتبون حتى يتنفسوا!

 

 

ثمة أية شيء يُكتب لا يُعد نفيسًا لمُفترق الحياة، نجدُ ما يُكتب حتى يُدل على طريق، ونجدُ الآخر يُكتب حتى يُضل عن الطريق الخطأ، ولكنها لا تُعد في النهاية بالكتابة المُرضية لصعداء التنفس بالحياة.

تمًردوا على الواقع وبديهاته، ما نسخه من قبل، من سكنه ورسخه به بفِعل من ثبتوه بأرضهم قبل قدومهم.

 
فضًلوا أن يلًونوا حياتهم، بحروفهم، ومعتقداتهم، فقط باطلاعهم على الأصل وترك العنان لخيالهم حتى يستنشق رحيق كل تجاربهم ويمزجونها بالواقع حتى تُخرج لنا نسيج أفكارهم الخالية من ثمة تعصب فكري أو حضاري يتشبث به.

 

 

يعيشون دون الآخرين لحظاتِ ليست كاللحظاتِ، لا تُعد لهم سوى حياة، يدركونها جيدًا، يتعرفون على مزاجية المواقف ومكنوناتها، يستشعرونها وكأنها مُنتهى اللحظات ويستعدون لها ككل بداية حلوة يستشعرون بها، لا يهمهم كم من الوقت سوف تنفذ، لا يهمهم كم من المشاعر سوف تُتنهك، لا يهمهم مقدار روحهم الذي يستهلكونه، لأنهم فقط يتعرفون على لحظات حياتهم وكأنها ثمة شيء يحدث الآن ولن يتكرر بعد مرة أخرى.

 

لا يٌقدر مجهودهم بمثل ما يفعلون، أو بالأحرى تشجيعهم، يقابلون كثيرًا من الضغوط المعروفة بالمجتمع وفرضياته وما يجب أن نعتاد عليه، على أنه وباء واقع يجب الاعتياد على تذوقه وتقبله دون نقاش أو جدوى.
يٌترك كل من له حق إبداعي لما عُرف بالشائع والمُعتاد، يُلقى الكثير بالكُتاب في بئر اللامبالاة لما يجدوه من عدم الاهتمام والتقدير لما يقدمونه.

 

ولكنهم يدركون أن لكل وقتِ اَن لا يتكرر بكل ما حَمل من مشاعر وحنين مُسبق، يعيشون اللحظة وكأنها مُفترق.

 
يدركون جيدًا أن تأثيرها إن لم يأذن له في اللحظة فهو سيصبح نسيجًا يتشكل عليه خيالهم القادم فيما يكتبون أو يبدعون.

 

 

لا ينتمون إلى أحد، وسيظلون كذلك، لأنهم فقط يدركون أنفسهم وقيمتهم ويعرفون جيدًا  قيمة من حولهم، يدركون أرواحهم أكثر مما يُدركها أصحابها، يتنفسون حركاتهم ويتأملون تأثيرها في مكنونهم، يحفظون ملامحهم ورموزها، نظراتهم وضحكتهم المتلعثمة، لا يعتليهم الغرور البشري والمعروف بالانعزال الروحي، يتعايشون على ما تلمحه عيونهم من أرواحِ ساكنة بكل شيء يقابلهم، ماديًا كان أم معنويًا.

 

هكذا ولِدوا، كُتابًا كانوا أم مؤلفين للطبيعة وأوطانها ومشاهدها وسُكانها.
هكذا يعيشون، هكذا يكونون، وينشأون. أرواحًا عالقة لتُكمل تفاصيلهم الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد