تقدمة

علمتني مصر أن خلف كل انتصار مزعوم تستتر هزيمة محققة
مؤتمر شرم الشيخ الذي انتهت فعالياته يوم الأحد الماضي، وسط تطبيل أصم آذاننا، وضباب أغشى بصائرنا، يستحق منا الآن بعد أن انقطع التطبيل وانقشع الضباب، أن نسأل عن الجدوى الحقيقية له.\
لستُ من الحاقدين لا سمح الله، ولا عضوًا نشطًا في الطابور الخامس، ولا أحمل الجنسية القطرية، أو التركية. أنا فقط ملدوغ من كفتة ماشين للكشف عن فيروس سي، ومشروع المليون وحدة سكنية، الذي حصل على قرار إزالة قبل أن ترمى فيه حجارة.

(1)

العلاقة بين مصر والخليج على مدار سنين طويلة كانت من زجاج، ربما غير قابل للكسر لكنه كاشف عن تلاسن من الطرفين ضد بعضهما لم يلتفت إليه الكثير من المفكرين بالبحث والتحليل.

جميل جدًا أن يدعم الخليج شعب مصر بمليارات الدولارات، بغض النظر عن أن الخليج بهذا الدعم يريد اجتثاث المد الثوري العربي (المصري على وجه الخصوص) من منابته، وتثبيت دعائم حكام يأمنون جانبهم حتى وإن كانوا ظلمة مستبدين، وبغض النظر أيضًا عن أن شعب مصر عاش على مدار عام كامل أثناء حكم مرسي، في بؤس شديد بسبب انقطاع الكهرباء وندرة البنزين ثم لم يجد من (يحنو عليه) من أصحاب الفخامة والسمو الملكي. أقول:

جميل جدًا هذا الدعم. بيد أنه يجب التذكير على أن الكثير من المصريين إلى الآن ينظرون إلى الخلايجة باعتبارهم “بدون”، لا تاريخ لهم سوى النفط الذي تفجر ينابيع من تحت أقدامهم، ويتعاملون مع دولهم على أنها أنصاف دول، وقد خرجت هذه الحقيقة جلية على لسان عباس كامل وبإيماءة موافِقة من رأس السيسي.

فهل ستنقلب الكفة ويصبح المصري بتاريخه الضارب في الأزل مخفوض الهامة أمام الخليجي، ليس ندًا له حتى؟ إن خلافًا بسيطًا بين مصر وأشقائها الداعمين سينهال على إثره المنّ والأذى.

ومن يدري لعل هذا الدعم الخليجي الغرض منه بالأساس إزالة الفوارق بين الخليجي النفطي المتواضع، والمصري الشوفيني المتغطرس. وبطبيعة الحال لن تقدر مصر أن تتحدث عن حقوق مواطنيها في الدول الشقيقة الداعمة على المدى المنظور. لا تظلمني، أنا حريص على علاقة مصر بكل الأشقاء العرب، ولا أسمم بمقالي هذا النشوة الأخوية الحاصلة الآن. أنا أحاول فقط أن أعطي لمحة على قدر علمي واطلاعي على ما كانت عليه العلاقة وعما ستكون.
“يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساءٌ من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن”

إن ركائز النهوض الحقيقي هو أن يفتخر المواطن بانتمائه لأمته، وأن لا يشعر بالصغار أمام أبناء الأمم الأخرى أو بالامتنان لأحد إلا لله. من يكتب هذه الكلمات على وريقة ويضعها على مكتب السيسي الغافل عنها.

(2)

إن حديث السيسي في الكلمة الختامية للمؤتمر عن مداولاته مع رؤساء الشركات الكبري لتخفيض ميزانيات المشاريع وتقليص المدد الزمنية لها، يشبه إلى حد ما الحديث عن شقة على المحارة لشاب على وشك الزواج يتفاوض مع الصنايعية على المصنعية والخامات، لكنه لا ينتشل مصر من الدرك الأسفل بقائمة منظمة الشفافية الدولية التي لم تحرز فيها أي تقدم ملموس منذ تولى عظمته منصب الرئيس.

هؤلاء المسؤولون الأجانب ومعهم رؤساء الشركات العملاقة لم يأتوا ليتغزلوا في مصر الحضارة، بل جاؤوا ولهم شروطهم التي ستضر بالسيادة المصرية على أراضيها وربما بتهويدها، ولمَ لا وقانون الاستثمار الجديد يسمح للمستثمرين الأجانب بتملك الأراضي.
لماذا لا يأتي القلب المفتوح للسيسي على ذكر هذا الكلام؟

لقد أدى الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات إلى نتائج كارثية مازالت تقصم ظهورنا إلى الآن منها: هلهلة القطاع العام، ظهور مراكز قوى مفترسة تتحكم في الاقتصاد، نمو طفيف في مجالات غير أساسية كالإسكان الفاخر والتجارة والتوزيع بينما الزراعة والصناعة لم تحقق أي منهما نموًا يذكر، ارتفاع الدين الخارجي إلى 20 مليار دولار عام 1983، تفاوت طبقي رهيب أدى إلى صراع فيما بينها، تفشي النشاط الطفيلي مثل استغلال النفوذ السياسي وفساد مؤسسات الدولة. هذا الكلام أذكره للذين يزمرون ويطبلون لمؤتمر مصر المستقبل، فالقليل من الحذر لا يضر والمصري تحديدًا لا يلدغ من جحر مرتين.

والحديث يتصل بالعاصمة الإدارية الجديدة التي اتخذ السيسي بشأنها قرارًا منفردًا بإنشائها يكشف النزعة الاستبدادية داخله ومدى استهزائه بملازم الديمقراطية مثل الحوار المجتمعي ومبدأ الشفافية؛ إذ من المستغرب أن نفاجأ بمشروع عملاق كهذا أثناء المؤتمر الاقتصادي دون أن يكون للشعب أية خلفية مسبقة عنه، أليس مشروع كهذا يحتاج إلى برلمان منتخب؟
الشاهد من المقال أن السيسي لا يؤمن بالديمقراطية، ولا يتصور للعسكريين أن يؤمنوا بها لأنها ببساطة في مجملها عكس ما يتربى عليه العسكري الذي يعيش عمره ما بين أن يطيع وأن يُطاع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد