انظر حولك، فكل ما يحدث الآن حدث من قبل، يمكنك قراءة حاضرك في كتب التاريخ، و في دول العالم الثالث عامة، وفي مصرنا خاصة.

لا يحتاج التاريخ إلى (تجديد)، كل ما عليه هو أن يعيد تكرار الأحداث مرة أخرى، فالذين لا يقرؤون التاريخ محكوم عليهم أن يكرروه أو كما قال “ماركس” التاريخ يعيد نفسه: مرة على شكل مأساة والثانية على شكل مهزلة .

أصبح التكرار هدفًا وغاية في مصر تحت شعار (الي نعرفه أحسن من الي منعرفوش)، فأتت أحلام و رياح التغيير بما لا تشتهي سفن الثائرين في 25 يناير وبات التغيير في ظل استنساخ التاريخ لنفسه شبه مستحيل، حتى نتعلم قراءة التاريخ وأخذ العبر مما سبق، حتى نستطيع تصحيح المسار ولا نرجع كالعادة “بخفي حنين “.

 

مرت عدة أحداث في التاريخ المصري تشبه ما نحن فيه الآن، يمكن أن تكون أقربها ثورة 1919 وما شملته من أحداث دامية في ظل اختلاف الأولويات وغياب الرؤية المستقبلية لدى الثائرين.

فحال شركاء ثورة 25 يناير لم يختلف كثيرًا عن الحال التي كان عليها سعد باشا زغلول وعدلي باشا يكن وتحولهم من صديقين ورفقاء على درب الحرية إلى عدوين لدودين، كل منهم يسير بالبلاد إلى الهاوية وكل منهم يظن أنه يخدم الوطن أكثر من منافسه، استمرت الحال في شد وجذب وتصريحات هنا واتهام هناكز

ولم يترك الإنجليز فرصة للصدفة، نبشوا في رماد الغضب بحثًا عن اشتعال النار فبدأت حالات الاقتتال بين المصريين في مدينة طنطا مسقط رأس سعد زغلول، سقط على إثرها 4 قتلى وعدد من المصابين من المتظاهرين والشرطة.

انغمرت بعد ذلك البلاد في أعمال عنف شملت احتجاجات عمال شركة الترام أصحاب المطالب الفئوية وانجرت البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، فلم يشفع لدى الفريقين دماء المصريين التي أريقت وتمسك كل منهم برأيه ضاربين بمصلحة الوطن عرض الحائط.

ظهرت العديد من أصوات المنادين بالوحدة ولم الشمل والانتباه لما تقوم به بريطانيا، وعلى رأس الشخصيات الوطنية التي تحلت بالحكمة في وقت الجنون كان الأمير عمر طوسون الذي كتب بيانًا يدعو فيه المصريين إلى التكاتف مرة أخرى، وجاء في نص البيان:

(بلغني مع أشد الأسف ما حدث من بعض الأشخاص غير المسؤولين مثل مهاجمة بيوت بعض المخالفين لكم في الرأي والتقاذف بالحجارة في الشوارع، الأمر الذي ما كنا ننتظر صدوره من أي مصري، ونحن قوم نريد الاستقلال ونطالب بالحرية، وأساس هذا المبدأ احترام كل فريق رأي الآخر وعدم حظر على أحد وإن شذ في رأيه، وإذا لم نحترم هذا المبدأ فلماذا نشكو من ضغط الإنجليز على حريتنا ومصادرتها لنا في آرائنا؟!)
قد يكون الأمير عمر حين كتب هذا البيان كان يدرك بأن التاريخ في مرحلة من مراحل الاستنساخ فحاول بتلك الكلمات إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن في مصر “تعلم في المتبلم يصبح ناسي”، لذلك انضمت كلمات الأمير عمر إلى الأخرى في كتاب التاريخ في انتظار من يفتحه ويوقف استنساخ التاريخ لنفسه، ويدينا ويديكم طولة العمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد