إنها ليست العزبة المُغيب صاحبها لدرجة عزله عما يدور في مُلكه، كما أن صاحبها ما زال ذا قوة وإدراك تُمكنه من مراقبة كل صغيرة وكبيرة وما زال قادرًا على توجيه الأوامر والتعليمات بكل صرامة وحزم، هذا بالتأكيد لا يقضي على هامش يمثل استثناء لبعض الأمور القليلة التي تدور خلسة ولكنها لا تخرج من إطار عدم الأهمية ولا تمثل خطرًا على قوته ووجوده.

فمكاتب مباحث أمن الدولة المنتشرة في ربوع مصر غير قابلة في الواقع للتقليل أو تصويرها على أنها من حيث سيطرة مديريها عزبة يفعل فيها كل منتمٍ وظيفيًّا لهذا الجهاز ما يشاء دون معرفة وعلم مديريه سواء كان بدأ في فعل أو وصل إلى نتيجة.

نقاشات وصراعات فكرية غير مجدية مع من يرون الجهاز الأخطر في مصر جهازًا مترهلاً يسير بعشوائية وغير خاضع لنظام ومراقبة ومتابعة للعاملين فيه، يصيبني هذا النوع من النقاشات المحفوفة بالصمم الوجداني بالإرهاق الذهني العاصف لتعارضه الصارخ مع ما نعيشه ونلمسه في الواقع، أشعر أن أصحاب هذه الآراء بمعزل عن الواقع يجعلهم يستخدمون قدراتهم العقلية لصناعة وجهة نظر تتعارض الواقع ولا أعرف سبب ذلك.

لعل بعض شرائح المجتمع التي تربطها بهذا الجهاز علاقات سواء كانت علاقات عمل كالمحامين والسياسيين أو علاقات ضحايا بجلاديهم تعرف القليل الكافي للحكم على هذا الجهاز ونظامه الداخلي ووضعه في مكانه الطبيعي دون تهويل أو تقليل.

لعل أهم ما يميز هذا الجهاز للأسف هو تحلله الكامل عن كل قيمة قانونية أو أخلاقية في سبيل تحقيق المطلوب منه انتقامًا أو اعترافًا، الأمر الذي جعله يحوز ثقة حكومات عديدة لا تستطيع اقتراف ما يقترفه هذا الجهاز فيرسلون إليها معتقلين لممارسة ما يشتهرون به.

إذن كيف لعقلي أن يقبل تحليل خبر مقتل الطالب الإيطالي جوليو بكل تبعاته على أنها جريمة بدائية التنفيذ تمت فصولها في سرية تامة منذ القبض وحتى العثور على جثته في طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي، كيف لا أنزعج وأنا أسمع أن الطالب الإيطالي عندما فارق الحياة تحت وطأة التعذيب على غير رغبة من عذبوه فقرروا دون علم مديريهم أن يرموا بجثته على الطريق!

من الصعب تقبل مثل هذه التحليلات فقرار تصفية معتقل لا يملكه ضابط أو حتى قيادة متوسطة داخل الجهاز ولكنه قرار سياسي لا يخرج عن دائرة وزير الداخلية ومن معه من مساعديه وكذلك حالات قتل الخطأ داخل مقرات الشرطة يتم إبلاغ القيادات على الفور لتوجيههم باتخاذ ما يلزم نحو محو آثار الجريمة.

ننتقل إلى نقطة جوهرية أخرى ألا وهي توقيت الإعلان عن العثور على جثة الطالب والتي تزامنت مع زيارة وفد إيطالي اقتصادي رفيع المستوى (لدعم الاقتصاد المتهالك) الأمر الذي دفع الوفد الإيطالي إلى إلغاء الزيارة ومغادرة البلاد!

الثابت عقلاً واستدلالاً أن من اختطف جوليو هو من كان يسيطر على منطقة وسط البلد – مكان تواجده – بمئات المدرعات والدبابات وآلاف الجنود والضباط يوم 25 يناير2016 ولعل ما يعزز صحة هذا الاتهام حالة جثة الطالب التي تعتبر متطابقة مع حالات سابقة اختفت ثم ظهرت جثث هامدة عليها ختم وزارة الداخلية (اقتلاع أظافر – صعق بالكهرباء – جروح قطعية – كسور متفرقة – حروق بأعقاب السجائر) جريمة كربونية لا يختلف فيها إلا أسماء الضحايا ونسب التعذيب ومنهم محمد حمدان محمد علي وعزت عبدالفتاح والطالب محمد عبدالعاطي وآخرين قتلتهم الشرطة دون محاسبة أو عقاب.

التعامل مع بلاغ العثور على جثة تتلقاه الشرطة ويأخذ البلاغ طريقه حتى يصل لمساعد الوزير ومكتبه خلال دقائق دون أن يمنع ذلك جهة تلقي البلاغ بدء إجراءاتها، كما أن وسائل الإعلام لا تمتلك قرار نشر مثل هذه الأخبار دون موافقة أو تكليف من المخابرات لاعتبارات أن الضحية إيطالي وعليه آثار تعذيب إضافة إلى وجود وفد لبلاده بناءً على رغبة النظام المصري، فكيف تجاوز الخبر كل هذه الاعتبارات والمحطات مع نظام يجيد إخفاء كل ما يعرقل مصالحه ويتم الإعلان بعد الانتهاء من زيارة الوفد الإيطالي صراع أجنحة داخل الدولة أم أنه بتدبير مخابراتي يقطع طريق كل من يتهم الأمن في هذه الجريمة بحجة توقيت الإعلان فلو كان الأمن هو من فعلها فلماذا لم يطبق قاعدة «سُك على الميت لما العريس يدخل».

ملحوظة: الأجنحة المتصارعة داخل السلطة تعمل بانسجام تام في تعاملها مع كل من يهدد وجودها وقوتها ونفوذها وأن هذا الصراع لا يُضعف من قوتها في مواجهة المعسكرات الأخرى حتى الآن.

وأخيرًا قبل أن نضع نقطة الختام أقول إذا انتصر عليك فاشل فاعلم أنك ميت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عزبة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد