كلما يمر يوم من أيام النسيان، تدفعنا الحياة بقوة إلى اختيار العزلة والبعد عن الوسط المحيط بنا، خوفا من أن يؤذينا الآخرون أكثر.

صار شعورنا بالاغتراب عن وطننا يضيق إلى أقصى حد، صار الخوف من التعامل مع أحد خارج غرفتنا المغلقة يضيف إلى حياتنا شعورا من الوحدة، لا نستطيع الهرب منه ولا الإفلات من واقعهم الذي فرضوه علينا، لا أعرف من هم، لكن أتوقع أن يكونوا قوى العادات والتقاليد، قوى الحديد والنار السياسية والاجتماعية.

تخبرنا الشاعرة المنتحرة «سيلفيا بلاث» في أحد قصائدها الشعرية:

وقد استحالت الحياة إلى مسرحية تراجيدية:
بعد هذا البلاء العظيم
أي طقوس من الكلمات
يمكن أن ترمم الخراب؟

أبيات قد تُعبر كيف يتحول الأمل إلى كابوس كبير، فلتذهب كل كتب التنمية البشرية إلى الجحيم، لا يوجد هنا سوى السجون والغرف المغلقة.

هنا ملايين الشباب الذين يعانون من «مانخوليا» الواقع، نقرأ يوميا مئات الصفحات من عشرات الكتب، نمتلئ بآلاف من المبادئ والمصطلحات، نحصل على أعلى الدرجات التعليمية من كليات  «التعليم المجاني» لماذا؟

لكي توزعنا وزارات الأمن الداخلي على السجون المتراصة من المحيط إلى الخليج.

أخبرونا أن عهد الشباب قد جاء، فوجدنا أبناءهم في الصفوف الأولى للمواكب، ونحن واقفون على جانبي الطريق، ويُطلب منا أن نلوح لهم ونشكرهم على قيادتنا.

نكتب الآن بمرارة الايام، فخاننا كل شئ إلا «الجنون» و «الوحدة».

فكر معي أين يمكن أن نخرج طاقاتنا في الوطن العربي، لم يعد هناك عمل لشباب؛ فالبطالة في أعلى معدلاتها، العمل التطوعي والنشاط السياسي ممنوع! والمقاهي صارت نقاط تفتيش وأقصر الطرق إلى المعتقلات؛ ولا نملك الملايين لاشتراكات أنديتهم الأرستقراطية.

إذًا تحية واجبة لغرفنا المغلقة، تحية لمواقع التواصل الاجتماعي التي مازالت تخبر الأنظمة أننا هنا، نعم نموت يوميا  «وجوديا» لكن هذا لا ينفي وجود أجسادنا.

وبعد كل هذا «القمع» لا يعرفون في مؤتمراتهم ما هو سبب الإرهاب والتطرف بين أواسط الشباب، لم يخبرهم أحد أنه كلما ازداد القمع والقتل والترهيب والسجون، ستزداد معدلات الكره والغضب والتطرف.

تحول الشباب من بنائين للمستقبل إلى باحثين عن أي حاضر لهم اليوم، يجبرونا على العيش في ماضيهم الكريه، المليء بالنكسات والعبودية والذل، دينيتهم تتغنى بالخلافة، وعلمانيتهم مريضة منحرفة، وليبراليتهم تبني السجون مع العسكر، مع أي معسكر أيها الشاب الآن، اصرخ واطلب الحياة.

اصرخ في وجه مجتمعهم كما يقول «محمود درويش»: اصرخ لتعلم أنك ما زلتَ حيًّا وحيًّا وأن الحياة على هذه الأرض ممكنة.

في النهاية هذه الكلمات جاءت سوداوية لما يمثله الواقع، لم أستطع أن أكتب سواها، ولم استطع أن أتجاوز مصائبية الأحداث التي هاجمتنا، لا نعرف متى ولا كيف الخلاص من الوطن العربي.

وأنهي كلماتي بكلمات «أحمد مطر»:

ما تهمتي؟
تهمتك العروبة
قلت لكم ما تهمتي؟
قلنا لك العروبة
يا ناس قولوا غيرها
أسألكم عن تهمتي
ليس عن العقوبة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد