الحديث المتجدد والذي شغل المجال العام في مصر بعد الثورة حول العلاقة بين الدين والدولة، والذي استتبع النقاش حول الفرضية الكلاسيكية لجماعة الإخوان المسلمين «الإسلام هو الحل» والفرضية المقابلة «العلمانية هي الحل»، كنت كجميع من شاركوا في الثورة، مهتمًا بشدة بالمشاركة في تلك المناقشة، واتخذت جانبًا صريحًا من تأييد المقولة الثانية، لكن سرعان ما تنكرت للاثنين معًا.

النظم السياسية العلمانية في العالم، والتي تستلزم تطبيق علمانية صلبة تطبق إطارًا عامًا من الفصل بين كل ما هو ديني وكل ما هو سياسي، قليلة جدًّا في العالم لا تتعدى ثلاث أو أربع نماذج، وتتركز في الدول الإسكندنافية، وحتى مع كل هذا يظل الدين حاضرًا كمكون اجتماعي مهم، وهنا أقصد بمكون اجتماعي أي حاضرًا على المستوى الشعبي ويساهم في تشكيل الوعي والثقافة السياسية للمواطنين، لذلك فالحديث على أن العلمانية هي الحل في الوضع الحالي في مصر -في نظري- لا يأخذ في الاعتبار وقائع الحاضر، وحقائق الماضي، ذلك الماضي الذي يمتد لألفي سنة من التاريخ، والتي لعب الدين فيها «إسلاميًّا – مسيحيًّا» دورًا مهمًّا في لحظات الصعود الحضاري، وأيضًا لحظات الاضمحلال الحضاري!

المفكرون العرب الذين ينتمون لعصر ما بعد الحملة الفرنسية وخاصة المصريين منهم مثل «رفاعة الطهطاوي»، وأبناؤه -على حد تعبير بهاء طاهر- كان لا يشغلهم السؤال المتعلق بالاستقطاب بين الدين والعلمانية بقدر ما كان يشغلهم قضايا الحداثة والتحديث الفعلية، يمكن أن ترى ذلك إيجابيًا، لكن في نظري فالسؤال المتعلق بالإسلام والعلمانية كان يجب أن يطرح على الساحة في بداية تكوين الدولة المدنية الحديثة، على العكس من الآن فلا يجب اختزال قضية الحداثة في الصراع بين الإسلام والعلمانية، على حد ما علمت فقد كانت محاولات التوفيق لاستقبال الحداثة هي الأبرز في تلك الفترة، فتجد مثلاً أن محمد عبده أحد رواد التنوير يكتب برنامجًا للحزب الوطني الأول، ثم يخوض معركة داخل الأزهر من أجل الإصلاح، وتلاه أزهريون كثيرون كانوا نواه لمشروع التنوير أو التحديث، أمثال علي عبد الرازق، وطه حسين، والمراغي وغيرهم.

وتجدر الإشارة هنا لأطروحة مفكرنا الكبير الدكتور غالي شكري حول التفريق بين نوعين من العلمانية، وهي العلمانية الغربية والعلمانية الشرقية، أو الإسلامية والمسيحية، والتي ترتكز على مفهوم أن العلمانية الإسلامية لا نقيض بينها وبين الإسلام؛ لأن العلمانية هي دعوة للعقلانية، وكذلك الدين الإسلامي، يمكن أن ترى الطرح السابق في إطار محاولات التوفيق بين الإسلام والعلمانية، لكنني أرى أنها على صواب كبير، ومراعية للزمن التي كتبت فيه أيام مواجهة الإرهاب في التسعينات.

إذن، لماذا أيضًا الإسلام ليس الحل؟!

الفرضية الأساسية لجماعة الإخوان، هي دوغمائية لغويًا وواقعيًا، وكعادة التنظيمات العقائدية فالدوغما هي التي تسيطر، وبالتالي التصحيح اللغوي للمقولة هو «نسختنا من الإسلام هي الحل»، فلا ضرر أن تستخدم الجماعة تلك الفرضية العامة جدًا، والمضللة في ذاتها لتحقيق مكسب سياسي.

إذن، وبالرجوع لأطروحة ماكس فيبر –عالم الاجتماع الألماني– في كتابه، البروستانتية وروح الرأسمالية، والذي يطرح فيه طرحًا مهمًا، مفاده أن المسيحية وبعد حركة الإصلاح الديني، أطلقت النسخة الأفضل منها وهي «البروستانتية» ومن ثم في عصر صعود الرأسمالية أنتجت نمطـًا آخر من الدين منحدرًا من البروستانتية «الكالفينية»، تلك الكالفينية هي النموذج العقلي الأفضل من التدين المسيحي والذي يرسخ مجموعة من القيم العقلانية تمثل ضرورة مهمة للدفع في اتجاه التقدم الاقتصادي والحراك الاجتماعي الفعال، وتمثل عقلية جمعية للمجتمع ورجل الأعمال على حد سواء.

فالطرح الفيبري يتعلق بمدى مرونة الأديان، وبالتالي إطلاقها لنسخ أكثر حداثة منها للتماشي مع الحراك الاجتماعي الحادث، وللوهلة الأولى يبدو الدين الإسلامي دينًا مرنًا، لكن أرى أنه على المستوى المادي هو غير مرن بالمرة، وأقصد بالمستوى المادى – ما يسمى بالإسلام التاريخي – وهو تلك النسخة من الإسلام لقائمة على ثنائية السلف وسطوة النص، وليس مجرد التصور الميتافيزيقي الموجود في جميع الأديان، وعلى حساب تفسيرات السنة الأشاعرة والشيعة للإسلام فمسألة المرونة هي في غاية الصعوبة، ولذلك أرى أن المرونة هي شرط لا يتواجد في الوقت الحالي في الدين الإسلامي – على الأقل ليس في نسخته المؤسساتية – وإن وجدت بشكل ما على المستوى الشعبوي للتدين، ويمكن أن نفهم الأسباب الكامنة وراء عدم المرونة، في تتبع تاريخ حركات الإصلاح الديني في العالم الإسلامي، وأشهرها في مصر في منتصف القرن التاسع عشر، بعد عودة بعثات محمد علي، والتي قادها أبناء رفاعة، لتتبع تاريخ تلك الحركات الإصلاحية، سواء من داخل المؤسسات الدينية أو خارجها يجب الحفر عند جذور تكوين الدولة الحديثة، أو الأصح الانقضاض على المنظومة القيمية العثمانية الإسلاموية لصالح القوميات المختلفة، وبالتالي ظهور فكرة الدولة، بمفهومها الحداثي في دول مثل مصر والشام والعراق.

ففي بدايات تكوين الدولة الحديثة في مصر كان تحقيق حلم محمد على الإمبراطوري يقتضى فصل التعليم الديني عن المدني، ومحاولة تقييد سلطة رجالات الأزهر في بدايات حكمة، وغيرها من الإجراءات التي قد تفسر أنها محاولة -ولو أولية- لبناء علمانية ذات بناء أيديولوجي فوقي في المجتمع ، لكن الأمر لا يتعدى -في وجهة نظري- محاولات الابتعاد عن المنظومة القيمية العثمانية، ومن هنا يمكن صياغة أسباب لما أراه فشلاً لحركات الإصلاح الديني فيما تلا محمد علي، ويمكن أن تتعدد تلك الأسباب، لكن تبقى 3 أسباب محورية تتعلق بالدين ومحاولات إصلاحه أو «قل التوفيق بين الدين الحداثة الغربية» وهي:

طبيعة الإسلام كدين دولاتي، بمعنى أن الإسلام «على الأخص من الديانات السماوية الأخرى»، جاء بجانب مشروعه الروحي بإطار كامل لإصلاح الحياة، والأديان في مجملها هي أنماط إصلاحية، لكن تجدر الإشارة إلى أن الإسلام وخاصة فيما بعد وفاة النبي «ص»، في عهد ولاية الخلفاء الراشدين، بدأ يزداد فيه، ويتجه أكثر نحو كل ما هو دنيوي بعيد عن الروحانية، وازداد ذلك النمط المادي في عهد الأمويين والعباسيين وما تلاهم.

لأن حركات الإصلاح الديني على امتداد التاريخ الإسلامي كانت نخبوية أو من قبل الدولة، وليست حركة فكرية من داخل الدين نفسه كما حدث مع الإصلاح الديني الكنسي، والذي قادة مارتن لوثر من داخل الكنيسة الكاثوليكية.

وحتى عندما أتى الإصلاح الديني من داخل الدين على يد الأفغاني ومحمد عبده، وقع بعد ذلك في شرك الدولة، ومواقف محمد عبده من الثورة العرابية معروفة للجميع، وانسلاخ تلاميذه من الدعوة التي دعا إليها معروفة، ولعل في الشيخ رشيد طه خير مثال، وفي عصرنا الحالي، نجد تماهيًا كبيرًا من فصائل الإسلام السياسي – اللهم إلا السلفية الجهادية – مع خطاب محمد عبده، فالإخوان وعموم المعتقدين بجدوى فرضية الإسلام هو الحل لا تنكر على الرجل الكثير.

ولعل العامل الأساسي- في نظري – أن الدين الإسلامي في ذاته وعلى حساب تفسيرات السنة والشيعة له هو دين دولاتي بمعنى أن فيه دعوة صريحة لأن يكون الدين هو عامل أساسي في المجال العام، عكس المسيحية، والتي كانت الثورة الإصلاحية عليها ناجعة بشكل كبير لأن الدين المسيحي لا يحتوي على نصوص شرعية لإدارة الدولة، بل كانت جزءًا من شرعية الإمبراطورية الرومانية ورثتها ممالك أوروبا بعد انهيار الإمبراطورية، وتجدر هنا الإشارة لتفسيرات المدارس الفكرية الأخرى في الإسلام «المعتزلة – الصوفيين» والتي تنظر للعكس من تفسير «السنة، الشيعة».

إذن أين تكمن المشكلة؟!

من رفاعة الطهطاوى حتى طه حسين إلى مفكري الستينات والسبعينات، كان سؤال الحداثة – والمضلل جدًا في وجهة نظري – هو سؤال الأصالة والمعاصرة، والإجابات الكثيرة على السؤال تبدو منطقية، لكن السؤال – في نظري خاطئ – لأنه يدفع في اتجاه دوغمائية سواء أكانت دينية أم علمانية، والحداثة لا علاقة لها بالدوغمائية، فلا يصح أن يكون مجتمع ما يحكم بالدين كليًّا، في ظل العصر الحديث، ولا نستطيع أن نضع العلمانية محل الدين؛ لأن العلمانية لا تحل محل الدين.

هناك خطأ آخر، يقع فيه التنويريون وهو في نظري نتاج طبيعي لسطوة الثقافة الاستعمارية ودورها في عملية التنوير التي عاشتها المجتمعات الشرقية في عصر الكونيالينة، الخطأ هو الاتجاه لممارسة التنوير كطقوس مثلها مثل الديانات، العلمانيون الشرقيون ينظرون للتنوير بمنطق المستعمر الأبيض، الذي ينظر للشعوب الجنوبية على أنهم همج يجب تنويرهم، فتجدهم يقعون في الفخ نفسه الذي نصبه الإسلام السياسي، وهو محاولة قولبة المجتمع لصالحه، أو لصالح منظوره الخاص عن الدين.

إشكالية أخرى اعتقد أنها غائبة عن العقل الجمعي لعموم المهتمين بالنقاش حول الدين والدولة ، هي تلك الإشكالية المتعلقة بمرونة الأديان، وما ترتبط به على المستويات القاعدية في المجتمع، فمثلاً الدين الإسلامي يحتوى على نصوص وأحكام دينية لإدارة النشاط الاقتصادي في الدولة، الزكاة والخراج وغيرها من الآليات التي يطلق عليها اصطلاحًا الاقتصاد الإسلامي، لكنه لا يحتوي على تنظيم مجتمعي للطبقات وعلاقات الإنتاج، فالدين الإسلامي في نظري رغم احتوائه على نصوص واضحة إلا أنه قادر على التأقلم – إن شئت – أو التماهي مع علاقات الإنتاج الرأسمالية أو الاشتراكية أو غيرها.

نهاية

لا يمكن أن يتفق اثنان على تعريف للحداثة، ومنه لا يمكن أن نصيغ سؤالاً واحدًا للحداثة يكون هو الصحيح دون غيره، لكن في نظري فالسؤال يتعلق بالحراك الاجتماعي منه أكثر من قضية الأصالة والمعاصرة، وأيضًا بعيدًا عن الاختزال الأعمى للحداثة على أنها صراع بين الدين والعلمانية والتي وقع فيها عموم المثقفين والمفكرين بداية من السبعينات ردًا على محاولات الاحتجاب القصرية التي فرضتها أموال الخليج والنفط والذي دعم تطوير أنماط رجعية من الإسلام السياسي تعود بنا للمنظومة القيمية للإمبراطورية العثمانية.

ولعله بات من المعلوم بالضرورة أن جميع ما طرحته الحداثة الأوربية من أفكار هو نتاج حراكها الاجتماعي في عصر الأنوار وما تلاه، لذلك أنتجوا نسقـًا خاصًا من فصل الدين عن المجال السياسي وإتاحته في المجال العام، لذلك كان التقدم نصيبهم، لأن الحداثة كانت قاعدية ناتجة من المجتمع نفسه، فنحن بحاجة لأن ندرس الحراك الاجتماعي جيدًا، كمقدمة لدفعه في اتجاه أن ينتج حداثته الذاتية، وليس مفردات مجردة تفرض من قبل النخبة على المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد