يصل إلى مسامعي خبر انفصال صديق عن زوجته بعد زواج لم يستمر شهور، كنت حزينًا وآسفًا لصديقي ولكني لم أتعجب كثيرًا من ذلك الانفصال، فأخبار الطلاق وفشل مشاريع الارتباط والخطبات أصبح أمرًا عاديًا، ويكثر سماعه الآن أكثر من أي وقت مضى، وذلك أمر متوقع في دولة كمصر التي تصل حالات الطلاق يوميًا إلى مئتين وأربعين حالة يوميًا؛ أي بمعدل حالة طلاق كل ست دقائق، وذلك طبقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وأكثر تلك الحالات في صغار السن؛ أي من هم في بداية العشرينات كما هو حال صديقي هذا.

ولكن ما أثار تعجبي ودهشتي هو تذكري لزفافهم، ذلك العرس العظيم المبهر الذي كان حديث معظم الحاضرين لأسابيع بعده، لقد تكلف عرسهم ثروة بالمعنى الحرفي، ذلك العرس الذي اهتموا به كثيرًا وبأدق تفاصيله، من إعداد دعوات العرس والعناية باختيار تصميمات وأشكال لم يسبق لأحد استخدامها، مرورًا بشكل الكراسي وتجهيزات الزينة والإضاءة وأنواع الطعام والشراب وفستان الزفاف وباقة الورد وبزة العرس، وحتى الأغنيات التي تم تشغيلها قاموا باختيارها وإعدادها مسبقًا، وأتذكر كم الضغط العصبي الذي كان يعاني منه العريس والعروس وأهلوهم لأيام قبل حدوث الزفاف.

ذلك العرس الذي تكلف الكثير، ذلك العرس الذي يفوق تحمل الأسرتين، كنت متعجبًا حقًا من ذلك البذخ المبالغ فيه لمجرد ليلة، وبالمناسبة أنا لا أعتبرها ليلة العمر، وبالتأكيد صديقي وزوجته، أو من كانت زوجته لن يعتبروها ليلة العمر بأي حال.

إذا حاولت تطبيق مفهوم المشروع التجاري على العرس؛ فسوف أعتبر أنه كليلة الافتتاح لمشروع أو لشركة، غير أن من المفترض أن الهدف الرئيسي والمنطقي من العرس هو الفرح والاحتفال وليس اجتذاب العملاء والزبائن والتفاخر بمستوى المكان والعرض، كما هو الحال في المشروع التجاري، وعليه فلا أرى أن لذلك الإنفاق المفرط أي أسباب، لكن هذا إذا اعتبرنا أن الهدف الرئيسي من العرس هو الفرح والاحتفال فقط.

ولكن بالعودة إلى فكرة المشروع التجاري، لتتخيل معي قليلاً أن قام أصحاب مشروع تجاري بالاهتمام بكل تفاصيله وبليلة افتتاحه حتى صار كل شيء مثاليًا، ولكنهم قد أغفلوا أمرًا هو كيفية عمل المشروع وإدارته، كشخص قرر أن يفتح عيادة لطب الأسنان، وقام بشراء أغلى المعدات وأفضل الخامات وآلات التعقيم وكل ما تستلزمه تلك العيادة من تجهيزات ولكنه أغفل أمرًا، هو أنه لا يملك شهادة طب الأسنان، ولا يعرف عن طب الأسنان غير استخدام فرشاة الأسنان والمعجون.

هذا هو الأمر عينه في الكثير من زيجات تلك الأيام، حيث يعمل الأهل والمجتمع والعريس والعروس أنفسهم على تجهيز وإحضار كل مستلزمات الزواج، كل على حسب طاقته، ولكن مهما كانت مقدرة أحدهم وقدراته، لا بد أن يحاول ويبذل جهدًا ويحمل نفسه أكثر من طاقته حتى يتباهى أمام مجتمعه، ويحاول التشبه بالطبقة الأعلى.

ولكن مع كل هذا التحمل والعبء، ينسى الجميع إعداد أكثر عنصر مهم في ذلك المشروع وتجهيزه، ذلك العنصر هو العنصر البشري، ذلك العنصر هو طرفا المشروع، العريس والعروس.

هل هذان الشخصان مؤهلان لتلك الخطوة، وأنا لا أتحدث عن التأهيل المالي والجسدي، بل أتحدث عن التأهيل العقلي والنفسي، هل هذان الشخصان قادران على تحمل مسؤولية بيت وأسرة ومتخيلان التبعات القادمة من مشكلات سوف يوجهانها حتمًا وأطفال قد يكون مجيئهم قريبًا.

هل يعي هذان الشخصان أن الزواج ليس علاقة حميمة وبضعة صور يتم وضعها على الفيس بوك والانستجرام، وطبعًا ليس حرب وسائد رومانسية وأحضانًا دافئة في مطبخ البيت كما تصورها الأفلام الرومانسية وبعض صفحات العشق والحب التي تملأ ذلك الفضاء الأزرق، هل يعرف هذان الاثنان تلك المسؤولية القائمة والمتولدة من إقامة ذلك الصرح المسمى الزواج، وما يترتب عليه من ترتيبات وقرارات.

سؤال آخر يجب أن نطرحه على أنفسنا ما خبرة هذين الاثنين في الحياة حتى يقدموا على ذلك الأمر، شاب يمتلك قدرًا من الفراغ ولا يعرف كيف يملأه، وفتاة تريد أن تبهر صديقاتها وهي ترتدي خاتم الخطبة، وتريد أن تلتقط بضعة صور لتريها لأخريات، ومن هذا المنطلق تحدث خطبة غير محسوبة، ويليها زواج بدون أساسات، ليحدث انهيار تام وطلاق، أنا أعرف أن ليس كل من يتزوج بهذا القدر من التفاهة والسطحية، ولكن ألا يعد ذلك الفتى وتلك الفتاة نموذجًا واضحًا وملحوظًا، ويمثل نسبة كبيرة من المتزوجين ونسبة أكبر من المنفصلين.

أنا لا أدعو الناس للتوقف عن الزواج، ولا أريد أن أمنع الطلاق على المذهب الكاثوليكي، ولكن حالات الطلاق في مصر قد ارتفعت من 7% إلى 40 % في الخمسين عامًا الماضية وفي الأعوام الأخيرة أصبح معدل ازدياد حالات الطلاق سنويًا يصل إلى 22% زيادة سنوية، ومن المنطق أن يتجه المجتمع والأهل إلى التوقف عن الضغط على هؤلاء الشباب ليتزوجوا بدون تروٍ أو حكمة، حتى لا يُقال على هذا الشاب إن قطار الزواج قد فاته، وإن تلك الفتاة قد كبرت وصارت عانسًا، اتركوهم ليقرروا كيف يريدون أن يعيشوا حياتهم، دعوهم يكتسبوا الخبرة ويجربوا كيف تكون الحياة وكيف يواجهونها فرادى حتى يستطيعوا مواجهتها أزواجًا، وحتى إن تأخروا في الزواج، فتأخره ونجاحه خير من تبكيره وفشله.

أما الشباب من إناث وذكور، فنصيحة انضجوا قليلاً وتوقفوا عن تخيل الحياة المثالية على طريقة المسلسلات التركية، وحاولوا ألا تتغلب الأغاني الرومانسية على طريقة تفكيركم وتطلعاتكم للمستقبل، فالحياة مختلفة تمام الاختلاف.

لا تقدموا على تلك الخطوة إلا إن كنتم تجدون في أنفسكم القدرة على تحمل المسؤولية وتقديم بعض التنازلات من أجل إنجاح ذلك المشروع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد