“أنا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تزوجونا فالحمد لله، وإن تمنعونا فالله أكبر”.

كانت هذه الكلمات التي خرجت من فم الصحابي الجليل بلال بن رباح حينما تقدم للزواج هو وأخوه، تصف الزلزال الذي هبط من السماء ليغير مصير العبيد على الأرض إلى الأبد. قبلها بسنوات قليلة كان العبيد أحط من على الأرض، الحيوانات كانت تلقى معاملة أفضل منهم. لم يكن الجلد بالسوط والأكل من فضلات الطعام والنوم بالعراء بأسوأ ما في الموضوع، لقى العبيد ما هو أسوأ من ذلك كثيرًا.

العبد هو الأسود ذو المرتبة الأدنى الذي لا يخالط السادة، ليس له ديّة ولا يساوي الرداء الذي يرتديه، ولا يمتلك أية حقوق، بعكس الحصان مثلًا الذي كان العرب ينظرون له بكثير من الاحترام والتقدير! فما الذي حدث؛ ليقول الأسود الحبشي بلال بن رباح هذه الكلمات بكل عزّة وفخر؟

رياح السماء

الأرض تستقبل حدثـًا عظيمًا من السماء، جبريل هبط على محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) في غار حراء؛ ليوحي إليه بدين سيغير مشارق الأرض ومغاربها. نور القرآن يضيء مابين السماوات والأرض، والكعبة تتأهب للفظ أوثانها بلا رجعة.

كانت رسالة الإسلام هي تحرير البشر من العبودية لأنفسهم وأصنامهم وشهواتهم وأموالهم وساداتهم، إلى عبادة رب العالمين. كل البشر سواسية أمام الله، “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى” (رسول الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم).

رسالة جلبت على محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) حربًا ضروس من السادة المستعبدين والمستعلين الذين أوحت لهم شياطين الجاهلية أنهم فوق البشر، وأن ولادتهم في قبيلة معينة أو لنسب معين أو بلون معين هي ذهب قوس قزح الذي جعلهم أفضل من غيرهم.

جاءت الشريعة الخاتمة من بعد شريعة موسى وما قبلها لتعلن نهاية العبودية على الأرض إلى الأبد.

فجر يقتل الأغلال

الأنوار الأولى التي حملتها السماء في فجر جديد، جاءت لتضع قواعد جديدة لمعاملة الرقّ. العبد من مفهوم الإسلام كما وصفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم “هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيدكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم”.

فكانت البداية بهدم صنم الأفضلية، الحر والعبد سواسية، العبد أخا الحر، فقط هو تحت يديه مثل الإبن مع أبيه، يأكل مما يأكل، ويلبس مما يلبس، ولا يطلب منه عملاً بما لا يطيق؛ فإن كلفه بعمل شاق وجب عليه أن يعينه فيه.

 

باتت المعادلة لها طرفان بدلًا من طرف واحد، فالعبد له حقوق والحر له حقوق، العبد عليه واجبات والحر عليه واجبات من بينها أن يعين العبد إذا كلفه بما يصعب عليه القيام به وحده.

وأنزل الله قرآنه من فوق سبع سماوات ليوصي الأحرار بالعبيد “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا” (سورة النساء: 36).

وهكذا بدأ الإسلام بتحسين الأوضاع القائمة، ورفع الظلم والتكبير والأفضلية من الأحرار على العبيد. ولكن هل اكتفى الإسلام بذلك؟ هل رضى بالعبودية وتركها قائمة في ظل شروط عادلة؟

السماء تمطر حريّة
كانت الموجة الثانية لتحرير العبيد أشد وطأة على صخور الشواطئ.

توسع الإسلام في إعتاق العبيد، والحضّ عليه سواء طواعية من الأحرار، كما في قول رب العالمين: “فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينـًا ذَا مَتْرَبَةٍ” (البلد 11: 16).

وكما قال رسوله الأمين “من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار”.

أو حتّى مكرهًا؛ فجعل الله إعتاق العبيد كفارة للعديد من الذنوب التي يقع فيها الناس “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينـًا” (المجادلة 3-4).

“وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنـًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ” (النساء – 92).

فمن لم يعتق برضاه أعتق رغمًا عنه، ومن لم يشأ أن ينال شرف تحرير العبيد ويوفّى خير الجزاء، صار لزامًا عليه أن يحررهم إذا أخطأ. فهل كانت الموجة الثانية هي الأخيرة؟ هل اكتفى الإسلام بالسماح بالاستعباد مع الحضّ على تحرير من يستعبد؟

آخر صرخات العبيد

الموجة الثالثة كانت كاسحة بحق؛ فقد اقتلعت الصخور من مكانها اقتلاعًا! لم يكتفِ الإسلام بتحرير العبيد فحسب، وإنما جفف أيضًا منابع العبودية للقضاء عليها تمامًا مع الوقت.

ضيق الدين السماوي كثيرًا من منابع العبودية التي كانت موجودة في الجاهلية ما عدا الحرب، وضيّق استخدامها كثيرًا في هذه الحالة أيضًا.

فعلى الرغم من معاملة الكفار للمسلمين في مكة، وإيذائهم وتعذيبهم والدخول في حالة حرب مفتوحة ومستمرة ضدهم وحصارهم اقتصاديًّا وإيذائهم وإيذاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم والتصّدي لانتشار الإسلام، إلا أنّه عندما دخل المسلمون في حرب مع الكفار وأخذوا منهم أسرى أنزل الله في كتابه العزيز “فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا”.

فاستجاب الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومنّ على أسراه من الكفر، وفدى بعضهم الآخر، ما عدا مجرمي الحروب أصحاب الانتهاكات والمجازر فكان جزاؤهم القتل؛ للردع دون تكرارها.

لم تكن حروب الإسلام وفتوحاته من أجل السبي واتخاذ الرقّ قط، بل جاءت لتحرير البشرية كلها. بل كان الإحسان إلى العدو المسيء، من الفضائل التي حضّ الله عليها.

ولكن لماذا لم يأمر الإسلام بانتهاء العبودية والسبي تمامًا حتى تزول من على وجه الأرض كافة مرّة واحدة، وتتخلص البشرية منها فورًا؟

المعاهدات لها طرفان!

حتّى لو أمر الإسلام بإنهاء الرقّ فورًا ما كان سينتهي من العالم؛ فقد كان النظام العالمي وقتها يسمح بالسبي في الحروب فهل من المنطق أن يمنع الله المسلمين من ردع أعدائهم في الحروب ويحرم عليهم ما يسمح به الآخرون لأنفسهم إذا حاربوهم؟

مع ملاحظة أن الإسلام لا يسمح أصلًا إلا بسبي المحاربات أو المهيجات للمحاربين في الحروب؛ فلا تسبى امرأة في الإسلام لكفرها، أي أنه بالمفهوم المعاصر فقد حمى الإسلام المدنيين غير المشاركين في القتال من الأسر والسبي.

 

لكن حتى يتحول الأمر إلى إلغاء كامل للرقّ فهذه الأمور لا يتم حلها وفرضها سوى باتفاق شامل بين كل بلاد العالم أننا لن نتخذ منكم عبيدًا وإماء والعكس، وهو ما حدث بعد ذلك وترجم ما حث عليه الإسلام من إنهاء الرقّ بكل الطرق المتاحة والواقعية.
أما أن يسبي منّي عدوّي ولا أستطيع أن أفعل المثل معه للردع؛ فهذا ظلم بيّن للمسلمين وإلحاق للضرّ والأذى بهم، وحرمانهم مما يحمون به أنفسهم.

الإسلام يحفظ للمؤمنين به حقوقهم، مثلما يحفظ أيضًا بعظمته لأعدائه حقوقهم.

فقد قال أبو بكر الصدّيق لجيشه، وهو يوصيهم قبل القتال: “يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا أو شيخًا كبيرًا ولا امرأة ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له”.

الإسلام حفظ لأعدائه حقوقهم حتى في بيئتهم الطبيعية أشجارهم وثمارهم، حتى في عباداتهم المخالفة لشريعته، حتى في ثرواتهم من الشاة والبقر والبعير.

وجعل رد العدوان بمثله فقط لايزيد مثقال ذرّة.

“وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (سورة البقرة: 190).

“الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” (سورة البقرة: 194).

رغم أن الأعداء هنا هم المبادرون بالعدوان، إلا أن المسلم مجبر على عدم التمادي في رده، وجعل الله الرد بالمثل فقط، حماية منه لحقوق من يكفر به ويحارب دينه.

عبد بكرافته!

لم ينته الأمر بعد، العبودية مستمرة حتى عصرنا هذا ولكن في صورة مختلفة.

الرأسمالية البحتة وقوانين الليبرالية الجديدة وغيرهم مما يكرّس الحقوق لأصحاب رأس المال، على حساب الأيدي العاملة.
مصطلح أطلقه زميل سابق على وضعه في العمل وهو أنه مجرد “عبد بكرافته”!

فأنت تعمل لوقت إضافي بدون Over time عادة، تحصل على مرتب متدني تلتهم الضرائب والتأمينات جزءًا لا بأس منه، إذا أصابتك حادثة أو توفيت خارج وقت ومكان العمل فلا مجال للتعويضات، وإذا حاولت رفع أجرك ذهب صاحب رأس المال إلى مكان آخر يوفّر له العمالة الرخيصة (نقل الشركات الأمريكية مصانعها إلى الصين كمثال)، وإذا سافرت لتعمل في دولة أخرى تجد أن مكان عملك هو الذي يتحكم في إقامتك وكل شيء تقريبًا.

حسنًا، الإسلام لم يكتف بهدم صنم العبودية القديم فحسب، بل أمر بتحرير الناس من العبودية الحديثة أيضًا.

فمثلًا بالنسبة للضرائب، نظّم الإسلام وضعها وحمى من إساءة استغلالها وإرهاق الناس بها.

فهي لا تفرض إلّا من أجل إقامة الخدمات العامة من مدارس “تعليم” ومستشفيات “علاج” وغيرها مما ينتفع به دافع الضرائب ويعود عليه مرّة أخرى، ولكن بشروط أهمها ألّا يكون هناك فائض في خزينة الدولة، وبالتالي فإن أية دولة لا تعاني من عجز الموازنة ولديها فائض يكفي لتقديم هذه الخدمات فلا يجوز لها تحصيل ضرائب.

كما أنه يشترط ألا يكون هناك إهدار أو تسيب في المال العام، وكذلك ألّا تكون الضرائب المفروضة فوق طاقة دافعيها، بل تراعى معدلات الدخل والأسعار.

وبالنسبة للعمل أوقات إضافية فلا يجب أن يكون ذلك فوق طاقة العمّال ويجب أن يعوّض عنه العامل ماديًا. قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): “ولا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم”. وقال: “ما خففت عن خادمك من عمله كان لك أجرًا فى موازينك”.

وقال: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”.

وأنزل الله تعالى في القرآن: “ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ”.

وفي الحديث القدسي: ” ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجير فاستوفى منه ولم يُوفه”.

كذلك فقد كفل الإسلام للعامل حقه من المسكن والمواصلات بل الزواج أيضًا، كما ورد في الحديث الشريف “من ولى لنا عملاً، وليس له منزل، فليتخذ منزلاً، أو ليست له امرأة فليتزوج، أو ليست له دابة فليتخذ دابة”.

بل أكثر من ذلك، فإذا مات سواء في أوقات العمل أو خارجها تقضي عنه الدولة ديونه، وفقًا لقول النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): “من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاً فإلينا”.

وجعل الإسلام العمل العام لصاحب الكفاءة فقط دون اعتبار للواسطة أو صلة القرابة أو الرشوة “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ” (سورة القصص: 26).

كما حضّ صاحب العمل على التواضع لعماله، كما ذكر الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) “ما استكبر من أكـل معه خادمه”. وحرّم الله على صاحب العمل أن يطلب من العامل منفعتين في عقد واحد، بل لكل عقد منفعة واحدة.

رحلة معاصرة
في النهاية أدعوكم لمشاهدة هذين التسجيلين المعاصرين للمسلم الأسود الأمريكي المناضل الشهير في القرن العشرين “مالكوم إكس”، وكيف غير الإسلام في حياته ونظرته إلى الأمور، وكيف وجد المعاملة بين أصحاب الألوان والأعراق المختلفة في رحلة الحج بمكة، وكيف أقلع عن نهج العنصرية المضادة تجاه أصحاب البشرة البيضاء بعد هذه الرحلة، والتي أدت إليها معاملة البيض للسود في أمريكا كالعبيد حتى بعد إلغاء الرقّ.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد