ليس القتل والقتال من الإسلام في شيء، وليس من أركان الإسلام الجهاد، ولا في انتشاره حد السيف ولا السنان، فلا الإسلام دين عنوة وعنف، ولا هو دين السماحة حد الهوان، وإنّما إلى الوسطية أقرب، فلا عدوان إلا على كلّ عادٍ، وكل السلام لمن رغب السلام.

مفهوم الجهاد هو “بذل واستفراغ ما في الوسع من قولٍ أو فعلٍ” لغويًّا. والجهاد يشمل – في العموم- جهاد النفس، وجهاد الفكر، وجهاد العمل، وجهاد العلم، ومغالبة الشيطان، والسعي في ميادين القتال لمدافعة الأعداء.وكل عملٍ يقرب العبد لخالقه فيه جهاد، وكل من أحسن عمله، مادام صالحًا، فهو في جهاد. فعندما آتى رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- يستأذنه الجهاد بمعنى القتال، سأله الرسول: “أحيٌّ والداك؟”، قال: “نعم”، قال: “ففيهما جاهد”. ولمّا جاء الشاعر الصحابي كعب بن مالك إلى رسول الله، وسأله:”إن الله تبارك وتعالى، قد أنزل في الشعر ما قد علمت، وكيف ترى فيه؟”، فقال الرسول: “إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه”، فالجهاد شامل وعام، ويندرج تحته ميادين جمّة.

 

فيقول الإمام محمد عبده:”إن الجهاد-والقتال منه بوجه خاص- على عكس ما يدّعي البعض، ليس ركنًا من أركان الدين، بل وليس من جوهر الدين ومقاصده. فالقتال ليس سبيلاً من سبل الدعوة إلى الدين، وهو لم ولن يكون أداة من أدوات تحصيل اليقين والتصديق القلبي، الذي هو الإيمان، وإنما هو – أي الجهاد القتالي- أداة دفاعية يستخدمها المسلمون لحماية الدعوة والدعاة وحرية الاعتقاد إذا اعتدى عليها المعتدون”.

“فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار-أي أنه ليس من جوهره ومقاصده-، إنّما هو سياج له، فهو أمر سياسي لازم للضرورة، ولا التفات لما يهذي به العوام، ومعلموهم الطُغَام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف وأن الجهاد مطلوب لذاته، والقرآن – في جملته– حجة عليهم”.

واستكمالًا، أركان الإسلام خمسة، وأركان الإيمان – الذي هو جوهر الدين- ستّة؛ الإيمان بالله، وبالملائكة، وبالرسل، وبالكتب المنزلة عليهم، واليوم الآخر، والتسليم بالقدر. وأصول الإيمان ثلاث، هي:الألوهية، والنبوة، واليوم الآخر. وأركان الإحسان تبلّغها الآية ” أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”. فليس الجهاد ممّا ذُكر في شيء. فهو ليس من الأركان.

وجدير بالسرد أنّ جوهر الدين هو الإيمان، والقلبي منه أعظم، وما وقر في النفس أسمى، وأساس الإيمان القلبي الحجة والإقناع، فللعوام ضربٌ من الإقناع هو الخطابة والوعظ، وللمتدبرين ضربٌ هو الحكمة-أي الفلسفة-. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، متحدثًا عن أبي بكر:”أنّه لا يفضلكم بصوم أو بصلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه”. فأصل الدين والتقرب إلى خالق الخلق، هو ما غار في النفس ووقر، وهو ما لا يعلمه سواه.

الجهاد القتالي في ذاته ليس غاية في الإسلام، وإنّما إلى الوسيلة أقرب، فدعوة الرسول في مكّة استمرت 13 عامًا، لم يستجب من الناس إلا قلائل، عاش فيها المسلمون فترة استضعاف فقد استفحل عداء الدعوة من آل قريش وملأ مكّة، من المنع إلى العداء والمعاداة للدين الجديدوأتباعه من المسلمين، فللخروج من فترة الاستضعاف هاجر البعض إلى الحبشة، وهاجر الرسول للمدينة ومعه الباقون، أي هُجِّروا من مكّة وأُخرجوا من دارهم، عنوةً وقهرًا من المشركين فلمّا ابتعد عنها-صلى الله عليه وسلم- ونظر لها من بعيد قال:”اللهم إنّكِ أحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إلىَّ، ولولا المشركون من أهلك ما أخرجوني لما خرجت منك”؛ فنزلت الآية ” وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم”.

 

 

وخلال فترة المكوث في مكّة، وفترة الاستضعاف من الطبيعي ألّا يرد أمرٌ بالقتال، فكانت الآيات المكيّة خير شاهد “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ”، “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حميم”، “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ”، وحتى بعد الهجرة للمدينة كانت الآيات لا تدعو للقتال “وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً”… إلى آخره من الآيات.

 

وفيما بين السنة الأولى والسابعة للهجرة، وبعد عام الحديبية مع مشركي مكة الذي عقبه عمرة القضاء، كان الاتفاق أن يدخل المسلمون مكة معتمرين ولا يحملون سلاحًا، ولم يأمن المسلمون غدر المشركين، وهم عُزّل من السلاح أثناء الحج، فنزلت الآيات “وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ”. فجهزوا الرماح والدروع والسيوف وجعل الرسول على مائة فرس “محمد بن مسلمة”، وعلى الأسلحة جعل “بشير بن سعد”

وقال الرسول:”يكون قريبًا منا، فإن هاجنا هيج-أي دهمتنا حربٌ- من القوم كان السلاح قريبًا منا”، فالقتال هنا ليس إلا ردًّا للاعتداء، وفي سورة التوبة، يُفهم أن الإذن بالقتال في الفتح، كان لمنكّثي العهد أن يتأدبوا ويلقوا مآلهم، دون الذين استقاموا حتى وهم مشركون، فالمسالم الذي لا يبغي، لا يُبغى عليه، وإن كان مشركًا.

وكان الفتح هنا يمثل عودة للمهجرين من ديارهم، أن يعودوا لها مرّة أخرى، وهذا ما حثّهم الله عليه في كثير من الآيات وجمٌّ من السور القرآنية، حيث يدفعهم للعودة لأرضهم، ويدفعهم لقتال مخرجيهم، وأن يصابروا ويصبروا على ما حلّ عليهم، ويعود أهل الدار لدارهم، وكان الإذن بالقتال هنا له ظروفه السياسة، وليس لنشر الدين، فهذا الفتح بجانب ذلك يمثل تأمينًا للدعوة في شبه الجزيرة، والقضاء على البؤرة المناوئة للإسلام والمحركة للقوى المضادة له.وعبّر الرسول عن ذلك وقت الفتح لمّا قال:” لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”،اذهبوا فأنتم الطلقاء.

 

فالفكر الإسلامي الأصيل أن لا عدوان إلا على المعتدين، أي لرد اعتدائهم، فلم يكن القتال إذًا غاية. فكانت كل غزوات الرسول وقتاله لا يتجاوز هذا المبدأ الأصيل في الدين، وألا إيمان عن طريق العسف والإكراه. فإنّما هو بمذكر وليس مسيطرًا على أحد، ولمّا أوّل الإمام محمد عبده في هذه الآية قال: “إنها تحدد الأمر الذي بعث الله لأجله نبيه محمد، وهو تذكير الناس بما نسوه من أمر ربهم، فليس في سلطانه أن يخلق الاعتقاد فيهم، ولا من المفروض عليه أن يقوم رقيبًا على قلوبهم ولا مسيطرًا ولا متسلطًا. فالقهر لا يحدث إيمانًا والإكراه لا أثر له في الدين”.

 

وأخيرًا فالإسلام لا يستحق منّا أدنى دفاع، فهو من الأصل لم ولن يوضع في خانة الاتهام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد