كل ثبات مصدره من البشر هو ثبات واهن، وإن تظاهر بالقوة فلا يلبث أن يضعف، ولو تظاهر بالاستمرار فلا يلبث أن ينقطع، إنما الثبات الحق هو الذي يكون من السماء. خذلان البشر لك لا بد أن يحدث، فمن كنت ترى فيهم عمادًا متينًا، ومن كنت ترقب منهم سندًا معينًا لا يلبث أن يخذلك، ومن لم يخذل فسوف يرحل، والكل راحل! إلا أن الله يبقى.

حاولت دائمًا أن أتجنب السؤال ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، أعني سؤال البشر، سألت الله دائمًا ألا تنحني رقبتي لأحد. تلك حقيقة ستعلمها –لا ريب– رغم أنفك، بل ستراها، ستستند -في يوم ما- على أحدهم حتى تقع أنت على أنفك فتكسرها، حينها ستعلم جيدًا، والأولى بك أن تعلم من الآن، لعلك تحفظ عليك أنفك!

سيكون لك دائمًا حلم لا يصدقه أحد غيرك، وسيكون لك دائمًا أمل لا يراه شخص غيرك، سيكذبك الجميع ويتهمونك بالجنون، وذلك قديم في البشر، كان النبي يعقوب يرى عودة يوسف بينما كان يثبطه من حوله، ويصفون أمله بأنه «ضلال قديم»، وكان نبينا الكريم يرى مفاتيح فارس والشام وقصورهما من المدينة بينما كان المشركون يحاصرونه حول الخندق، وبينما كان المنافقون يثبطون من عزيمة المسلمين، ثم عاد يوسف، وسكن لاعج الأب، وسجد أخوة يوسف، وثم فتحت مصر والشام والعراق، وانتصر المسلمون وانهزم المنافقون، طالما صرت مستيقنًا بربك، مؤمنًا بنفسك، مستحوذًا لقلبك، مستمسكًا بأملك فلن يغلبك أحد، هذا هو الضمان الوحيد للوصول، وهذا هو أيضًا الشرط الوحيد للبقاء!
لا أرى أن ثمة علاقة بين ما يملكه الإنسان في يده وبين ما يقدُّره في نفسه، فكم من جيوب امتلأت بينما فرغ أصحابها من كل معنى إنساني سام، وكم من أيد لا تملك حتى إلا ما يكفي يومها إلا أنها عزيزة غنية، إن العزة شيء يستقر في النفوس، فإن استقرت لا تتزحزح، لا تتغير بفراغ الجيوب، ولا تتحول بتقلب الدروب.

أينما نظرت حولك ستجد طرقات كثيرة، وسترى أفواجًا كثيرة بقدر كثرة هذه الطرقات، سترى أفواجًا عن اليمين تسير في طريق غير الذي درجت فيه، وسترى أفواجًا عن اليسار تسلك طريقًا غير الذي نشأت عليه، سترى كل فوج يزعم لنفسه علاقة بالحق وصلة بالفضيلة، ثم لا أدري هل ستجرفك الأمواج في إحدى هذه الطرقات أم هل ستظل في سبيلك مستمسكًا! وستجد كذلك في طريقك نفسه رفاقا كثر، إذا وجدتهم تشبث بهم، اجعل منهم معينًا في طريقك حتى تصل، وكنت أنت لهم رفيقًا حتى يصلوا، لا تسر منفردًا فينالك من الطريق شقاء الوحشة فوق ما تلقاه أصلًا من نصب الرحلة، الرفاق دائمًا ما يحملون عن كواهل بعضهم بعضًا، في الأساس إن أنت لا تربت على كتف إخوانك سيتخطفهم الناس من كل فوج، حتى إنك ربما تستفيق فتجدهم على شاطئ آخر، وإذا بالذي كان بجوارك اليوم أصبح على حافة لا تدري أيقع منها أم ينجو، حتى أنت قد تقع أيضًا، لكنه وقوع من نوع آخر، وقوع من يجد نفسه وحيدًا شريدًا!

أرى من ينظر إلى أحلامه بمنظور الممكن والمستحيل محل شفقة، فلا معنى عندي لمن يقول: سأجعل من هذا حلمًا لي لأنه ممكن، وسأمحو ذاك من قائمة أحلامي لأنه غير ممكن، يا سادة إنما جعلت الأحلام أصلًا للمستحيلات، ومن وقعت أحلامهم في مستنقع الضعف فماذا بقي لهم قويًّا! لولا هذا الأمل الذي يبقى في نفوسنا فلن تكون لتلكم الحياة معنى، حتى إنها في نفس الفقير والغني وفي نفس الصغير والكبير، جعله الله في البشر جميعًا.

جاءتني رسالة في مرة يقول صاحبها: «كيف يكون للفقراء نصيب من سكون النفوس، وثبات العزم، وهم لا يجدون ما يأكلون؟ وهل تملأ كلماتك التافهة هذه بطونهم إذا جاعوا»، وربما السائل نسي أن المال ليس الغاية الكبرى في هذا المكان الضيق الذي يسمونه العالم، المال فقط وسيلة لا غاية، وسيلة لدرجة أن أهل الخير يجعلون منه سلمًا لجني الحسنات حين ينفقونه على الفقراء والمساكين، ووسيلة لدرجة أن أهل الشر يجعلون منه درجًا لنيل السيئات حين ينفقونه في المنكر والحرام، والقارئ أعلم مني بتلك الأوجه الكثيرة للإنفاق، هذا مثال بسيط فقط! السائل ربما نسي أن الله الذي يرزق هو الله الذي يبتلي، وأن الذي يقسم الأموال يقسم الأمراض، وأن الذي يعطي الهدايا يرسل البلايا، الله قسمته عادلة! إن كنت لا تعلم هذا ففي إيمانك ريب وشك لا يحسن معه أن تقرأ هنا في هذا المكان، بل أن تراجع مصدرًا تجدد فيه إيمانك أولًا، المال ربما يكون وسيلة تعينك في البلوغ ولكنه ليس البلوغ ذاته!

وإن كنت تسأل عن الغاية، فتعال أحدثك عنها، إنها سمو النفس وعلوها، وشاء الله أن يرحم البشر إذ جعل ذلك السمو محررًا، لا ينتقل في ميراث ولا يزداد من مال، وإنما السمو ثمرة مجاهدة النفس، وحصيلة طلب العلم، ونتيجة كرم الأخلاق، وما عدا ذلك لا يعدو كونه عرضًا من أعراض الدنيا لا يلبث أن يزول، يخدع به أصحابه الناس ولكن لا ينطوي عن حقيقة، فمن عقل نجا، إلا أن العاقلين قليلون، والهالكين كثيرون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد