من هو رئيس مصر القادم؟

جمال مبارك

جمال مبارك

جميع ما سبق

وقف زميلي هذا بجواري في وقت نزولنا للفسحة ذلك اليوم الدراسي العادي ليتابع إخباري ببعض الطرائف، أذكر منها إحداها في صيغة هذا السؤال الذي تم تمريره في إحدى المجلات التي كان يقرأها وقتئذ. وكان من المفترض أن يكون طريفًا ومضحكًا بالنسبة لي، إلا أنني لم أدرك فحواه، لم يكن يعني -لي- شيئًا، وبعبارة أدق: لم يكن يعني -لنا- شيئًا.

الرئيس التالي لمبارك. هل تعلم بأننا لم نسأل أنفسنا هذا السؤال أبدًا من قبل؟ ولماذا نفكر في هذا ونحن «أطفال صغار» لا يعنينا هذا الشأن. لكن يبدو أن الأمر ليس مرتبطًا بنا نحن فقط، بل أعتقد الآن بأن حتى «الكبار» لم يكونوا ليفكروا في هذا ولديهم ما يغنيهم ويلهيهم عن مثله، لم يعتقد أحد بأن هناك من قد يحل محل مبارك أو يستطيع أن يحل محله، لم تكن فكرة رحيل مبارك تخطر على بال أحد حينها من الأصل، وأقف هنا مستشهدًا بمشهد في مسرحية الزعيم عندما تم إخبار عادل إمام بأن الرئيس قد مات، فضحك ضحكة طويلة اختتمها باستنكار، ثم سأل غير مصدق: «هو في رئيس بيموت يا باشا؟».

وكما هو الحال اليوم، كانت علاقتنا بسياسة البلد وأحداثه الكبيرة وقضاياه الأساسية حينها «صفر»، كان أول ما وصل إلينا من أحداث الثورات العربية هو هروب رئيس تونس. تونس القطعة الشقيقة من الوطن الكبير التي لم نكن نسمع أخبارها كثيرًا في تلفاز بلدنا العزيز، المصدر الوحيد لجيلنا لمعرفة ما يحدث وما يمكن أن يحدث، لم يكن «فيسبوك» قد انتشر بهذا القدر، خاصة بيننا نحن جيل المراهقين في مجتمعنا القروي المنغلق لأقصى حد.

لم نكن نسمع إلا أخبار التنمية الشاملة، وتحركات المسئولين، وأخبار المعبر المغلق دائمًا حتى إشعار آخر.

أثناء أحداث التحرير 2011 كنا في الصف الثالث الإعدادي، وبنفس المنطق لم نسمع عن ثورة يناير (كانون الثاني) إلا بعد انتهاء ثورة يناير. ولكن مهلًا، لم تكن نهاية الثورة، بل كانت موجتها الأولى قد انتهت، لم يكن تغيير كبير قد تمكن من أن يحدث، لم نكن نعلم، ولم نشارك، وكان ذلك سببًا في أن يكون الأشخاص الذين حدثونا عن الثورة هم أنفسهم من قامت عليهم الثورة، بل وهم من كانوا يهاجمونها في البداية.

كان الإعلام في البداية متكتمًا على أخبار ثورة تونس، ومتكتمًا لفترة أخرى على ثورة مصر؛ فهي زوبعة في فنجان لا تستحق حتى أن تذكر، لكن الظرف الخارجي كان لا ينبئ بذلك، حتى حدث أن خرج الأمر من بين أيديهم ربما بوصول الأخبار من الخارج، أو أن الأوامر صدرت لهم من بعض الجهات حينها، لا أعلم، فكان أن بدأوا في مهاجمتها على استحياء، ثم فجروا في الخصومة، ثم فجأة أصبحوا يعظمونها ويمدحون شبابها. لقد ابتلعوها بداخلهم مبكرًا، وأجروا بعض التغييرات الديكورية و«الرتوش» وتجهز كل منهم لقدمها لنا بطريقته ليحصل على أكبر استفادة منها.

كل هذه المراحل حدثت في الواقع في معالجة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي للثورة، أما نحن فلم تسعفنا معرفتنا الضحلة ببلادنا لأن نلحظ منها إلا المرحلتين الأخيرتين ولفترة طويلة.

وبناءً على هذا التغير كانت المواقف من كل شيء تتغير بسرعة غريبة، فأولئك الذين في ميدان التحرير هم قلة مندسة، ثم أبطال، ثم لا شيء، ونظام مبارك القائم تحول من النظام الشرعي للمخلوع لتتم تبرئته، ثم يسكت عنه فترة طويلة، والثورة نفسها أهينت ومجدت، واليوم لا ذكر لها من الأساس. كل شيء يصاغ من جديد ويتحول من النقيض إلى النقيض، ثم أصبح كل شيء يسقط في دائرة اللاشيء ليسكت عنه فترة طويلة حتى تتم إعادة صياغته لمرات، ليخرج في نسخته النهائية المتفق عليها، وليوضع في مكانه المناسب من التاريخ إلى جانب باقي الأحداث، ليقدم للأجيال التي لم تر شيئًا. ولا يبقى من الواقع الذي شهدناه ولا تعليقنا على الأحداث إلا نسختنا من التاريخ في شكل فيلم يبقى 60 عامًا أخرى يعرض كل سنة في يومي 3 و23 يوليو (تموز).

وليس ذاك بالأمر الصعب؛ فإن كنت قد نجحت في خداع من شهد الوقيعة، أيصعب عليك خداع الذين لم يشهدوها؟

سبقوا وتأخرنا

سبع سنوات حتى الآن، قدر الله فيها لبعض من عباده بالسبق، فمنهم من ارتقوا شهداء في يناير وما بعدها، وقدر لبعضهم أن يحملوا معهم إصابة تحيا معهم وتقدم لهم ذكرى حية مدى بقائهم، ولبعضهم الآخر ولو ذكرى الحضور والمشاركة، أما نحن فكنا مغيبين ولا أدرى أيحق لنا اليوم التعلل بهذا العذر؟ لا أظن.

على كل حال انتهت موجة من فيضان الثورة في فبراير (شباط) 2011، وللعلم لا فواصل بين الموجات، لم تكن الموجة الأولى ولا الأخيرة ولكنها الأكثر بروزًا، أما اليوم فنحن أكثر وعيًا بالحقائق رغم ما يحدث من تشويه مستمر متعمد وغير متعمد باستمرار، ورغم كل محاولات إعادة صياغة الواقع التي تحدث لتزيد من تشويه المشوه.

أضعف الإيمان

لطالما كانت فكرتي عن ثورة يناير، بأنها ليست ثورة التغيير المطلوبة، لقد انتهت الثورة من قبل أن نشارك فيها، 18 يومًا! انتصرنا مبكرًا، يا للسهولة! القيام بالثورات سهل جدًا.

لا تحدث التغييرات الجذرية في حياة الشعوب بهذه السهولة والسلاسة، وهذا ما عرفناه لاحقًا من استماتة النظام في حماية جذوره. ولو كان لدينا من العلم وقتها أقله فقد كان علينا أن نتوقع كل ما حدث لاحقًا منذ البداية. الآن نرى يناير بوضوح أكبر؛ لقد كانت لحظة تنوير، كانت تمهيدًا، «موديل» لما يمكن أن يحدث ويجب أن يحدث. لكن هذه المرة في ظروف حقيقية وبلا ضمانات تقريبًا.

«ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم في قلبك. وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم. واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك. واكتبها على قوائم بيتك وعلى أبوابك» (تث 6: 6 – 8)

لا تتكرر لحظات الكشف في التاريخ كثيرًا، ولا يظهر النور كل شيء ولا للجميع، إنها فرصة نادرة كان من نصيبنا أن عايشناها، وعلى الأقل ما لم نستطع تمهيد المشهد لموجة جديدة، وما لم نمتلك الجرأة على الثورة، فنحن الآن مستأمنون على سرها وتاريخها، لا خير فينا إن لم نردده لنؤكد لأنفسنا أولًا أننا لا زلنا عالمين به حافظين له، ونمرره لمن بعدنا، لعل ذلك يساعد إذا ما أصبحت الظروف مواتية مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد