الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

تغير وجهات النظر وتحولها في حد ذاته ليس عيبًا، ولكن تقييمه بشكل صحيح يكون بوضعه في السياق، وتحديد البدايات، وتوقع المآلات، وربما من المفيد أن ننظر إلى الفترة الزمنية التي حدث فيها هذا التحول، فكيف نفهم تحول موقف قوى الحرية والتغيير من المجلس العسكري من المطالبة بإسقاطه، وكونه مجلسًا انقلابيًّا ضد الثورة لا يجوز الحوار معه، إثر جريمة فض الاعتصام، التي ارتكبها، إلى أن يكون الحوار معه ضرورة لتحقيق أهداف الثورة، والاتفاق معه على حكم مشترك للبلاد، في فترة انتقالية يحكم المجلس العسكري نصفها، وكل هذا في فترة زمنية لا تتجاوز الشهر.

كان يوم 30 يونيو (حزيران) يومًا فارقًا في مسار الثورة الذي كان بدايته منذ نهاية العام الماضي، فقد عاد الحراك إلى قوته، وربما عاد بشكل أقوى من أي وقت مضى، فكل الشواهد تشير إلى أن موكب 30 يونيو الذي دُعي له تجمع المهنيين السودانيين «وليس قوى الحرية والتغيير» هو الأكبر على الإطلاق، ولكن اليوم لم يخل من أحداث عنف وسقوط قتلى على يد ميليشيات الدعم السريع، لفت انتباهي منها ما رواه لي شاهد عيان على ما وقع في المدينة الطبية التابعة للقوات المسلحة بأمدرمان، والمعروفة بـ«السلاح الطبي»، فقد كانت هناك قوة تابعة للدعم السريع على مدخل الكُبري الذي يصل أمدرمان بالخرطوم، تحركت القوة عند ظهور أحد المواكب الذي كان على ما يبدو متجهًا لمبنى المجلس الوطني، وأغلقت الكبرى ثم فتحت النار مباشرة على المحتجين، الذين وصلوا إلى تلك المنطقة من عدة اتجاهات، لجأ الكثير من المحتجين إلى السلاح الطبي هروبًا من نيران الدعم السريع، وذلك على فرضية أن السلاح الطبي منطقة آمنة محمية بالقوات المسلحة، ولا تدخلها أي قوة نظامية إلا بإذن مباشر، ليتفاجأ المحتجون بأن ساحات السلاح الطبي خالية تمامًا من الجيش إلا بقية كانت متوجهة بالفعل إلى الخارج، وجد المتظاهرون أنفسهم مع مرافقي المرضى وزوارهم والعاملين في الأجنحة الطبية، تحت رحمة ميليشيات الدعم السريع، التي دخلت إلى ساحات السلاح الطبي بالعربات المصفحة، وشرعت في إطلاق النار على الجميع ليُقتل من يُقتل ويُصاب من يُصاب، كان مجرد الوقوف على الأرجل كافيًا لتلقي رصاصة مباشرة، مع غزارة إطلاق النار حينها، سيطرت ميليشيات الدعم السريع على السلاح الطبي تمامًا، وفي غياب كامل للجيش.

لم يكن لأحد أن يتخيل حدوث مشهد كهذا في عهد النظام البائد؛ فقد كان الثوار في مواجهاتهم مع ميليشيات الأمن يلجؤون للسلاح الطبي للاحتماء بالجيش من الميليشيات، وعندما أحس الجيش بأن هذا قد يتسبب في أزمة وضعوا أسلاكًا شائكة حول المنطقة لمنع تسلل أي أحد، كما أن القوات المسلحة عقب أحداث فض الاعتصام انتشرت بكثافة في منطقة جنوب أمدرمان بعد الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيات الدعم السريع في حق المواطنين، حتى صارت المنطقة بالكامل، والتي منها مقر السلاح الطبي، ومدخل كُبري أمدرمان، ومقر المجلس الوطني تحت سيطرتهم دون وجود أي فرد من ميليشيات الدعم السريع.

هذا المشهد وغيره الكثير ينبئ بهيمنة الدعم السريع بقيادة حميدتي على المجلس العسكري والقوات المسلحة، فالجيش يتصرف كأنه كيان مواز للدولة، والدعم السريع يتصرف كأنه كيان مواز للجيش، فحميدتي هو نائب رئيس المجلس العسكري، وفي الوقت نفسه القائد المباشر للدعم السريع لا يتحرك إلا بأمره ووفق توجيهاته، وكلنا نملك من البصيرة ما يكفي لنقول إنه في مشهد كهذا لن يكون للبرهان ولا غيره أي رئاسة على الدعم السريع؛ ولأنهم يعلمون هذا وخطورته عليهم؛ فقد كانوا منذ عهد البشير يطالبون بتضمين الدعم السريع داخل كيان القوات المسلحة.

كان هذا وما زال هو واقع الدولة المؤلم، والذي قامت الثورة لتغييره، فأي مجنون سيصدق أن تغيير هذا الواقع يكون بالاتفاق مع المجلس العسكري الذي يديره الرجل ذاته الذي كان وراء كل جريمة وانتهاك، وكان وما زال بعيدًا عن المحاسبة، بل وستؤول إليه مقاليد الدولة لـ18 شهرًا بموجب الاتفاق الذي من المفترض أنه انتصار للثورة، وبه عاد حق الشهداء الذين قتلهم هو نفسه.

لا ألوم الجموع الغفيرة التي خرجت لتحتفل بالاتفاق بين قوى الحرية والتغيير وبين المجلس العسكري؛ فهؤلاء كانوا يتوقون لفرحة وانفراجة بعد عيد سرقته الأحزان منهم، وحالة إضطراب وانفلات أذهبت السكينة والطمأنينة عن القلوب، ولكن ماذا عن قوى الحرية والتغيير التي تريد أن تبيع للناس بضاعة مزجاة، ودماء من سقطوا يوم فض الاعتصام لم تجف بعد شهر واحد لم يتحقق فيه لقوى التغيير ولا للشعب أي شيء، ولا حتى عودة خدمة الإنترنت.

ما اتفق عليه بين الطرفين برعاية أفريقية هو ذاته الذي طرح منذ قرابة شهرين، عندما لم يتجاوز الطرفان خلافهما بخصوص المجلس السيادي ورفضه العسكر، فالوسيط الأفريقي أو الإثيوبي لم يأت بجديد مما يطرح السؤال: لماذا وافق المجلس العسكري الآن ولم يوافق من قبل؟

ربما يقول البعض إن مليونية 30 يونيو غيرت المشهد، وبالتالي أجبرت المجلس العسكري على مراجعة موقفه، قد يكون هذا صحيحًا، ولكن هل يكفي هذا للعسكر الذين استحلوا دماء المئات للخضوع الكامل للثورة والثوار؟ أم أن هذا مجرد انسحاب تكتيكي للعودة بشكل أقوى؟

والسؤال الذي يتقدم كل الأسئلة السابقة: هل سيلتزم العسكر بأي اتفاق مع قوى الحرية والتغيير أو غيرها، وهو من أثبت على مدى الشهور السابقة أنه لا أمانة له ولا عهد له، ولا يعرف كيف يحافظ على الكذب الذي يقدمه للناس لفترة كافية، ويكفينا أنه يقول إنه هنا ليسلم السلطة للمدنيين، وهو في الوقت ذاته يصارع مع قوى التغيير للمشاركة في المجلس السيادي، أما قوى الحرية والتغيير فما زالت تسعى لإقناع المتلقي بأن سلطة المجلس السيادي مجرد سلطة شكلية، مع أن المنطق يقول إن السلطة الشكلية لا يمكن بحال أن تكون محل نزاع بين التغيير وبين المجلس العسكري لثلاثة أشهر اضطروا بعدها لاقتسامها بالتساوي مع رئاسة دورية، وهما الطرفان ذاتهما اللذان اتفقا على هيكلة المجلس التشريعي وتشكيله بأغلبية لقوى الحرية والتغيير، والذي من المفترض في النظام الديمقراطي أن يكون هو السلطة الأعلى في الدولة.

كنت أتحدث مع صديق لي وسألته: ما الذي تريده من الثورة؟ فقال لي وهو يشير إلى كوب الشاي أمامه: أن يكون هذا كوبًا وليس برميلاً، وأن يكون هذا شايًا وليس عصير فراولة، من معاول الهدم في أي مجتمع تزييف الحقيقة والتلفيق، ورأينا كيف أن البعض لا يستحي من تزييف أحداث جرت قبل بضعة أشهر وليس قبل سنوات أو عقود، بل يزيف واقعًا نراه كلنا بأعيننا، أصبح معتادًا أن نرى تصريحات من نوع أن الملايين التي خرجت في الثلاثين من يونيو لا يمثلون الشعب السوداني، والقائل ذاته يزعم أن الشعب بأسره مجمع على أحقية العسكر بتولي السلطة، ولكن الصادم بالنسبة لي هو أن تزعم قوى الحرية والتغيير بعد شهر من جريمة التاسع والعشرين من رمضان أن مطالبها قد تحققت، وهو الأمر الذي دعا للجلوس للحوار المباشر مع المجلس العسكري.

المرحلة القادمة، بغض النظر عن أي شيء، ستكون هي المرحلة التي سيقول فيها القائل في حال حدوث أمر ما: «ألم تقولوا إنكم تريدون حكمًا مدنيًا؟ ها هو»، وسيكون هناك من يحرص على منع الأسئلة الحقيقية، مثل من كان وراء هذا الأمر؟ ولماذا؟ وما أهدافه؟ ليتضح فيما بعد أن البلاد لا ينفع معها إلا الحكم العسكري لتدوم الثمانية عشر شهرًا لعقودٍ وعقود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد