لم تعد محاولات الاحتلال وأذرعه المختلفة فرض سيطرتهم على المسجد الأقصى خافية على أحد، إذ تحاول هذه الأذرع رفع حدة استهداف المسجد الأقصى ومكوناته البشرية عامًا بعد آخر. وبالتوازي مع بزوغ عددٍ من المنظمات التي تنشط في دعوة المستوطنين إلى اقتحام الأقصى، وتكثيفها، برز عدد من الشخصيات التي تدير هذه المنظمات، وتتصدر مشهد الاعتداء على المسجد، من أمثال الحاخام المتطرف يهودا غليك، والحاخام المتطرف يهودا عتصيون، والصحافي أرنون سيغال، والناشط في المنظمات المتطرفة أبراهام بلوخ وغيرهم.

وإلى جانب هذه الشخصيات برز اسم توم نيساني بوصفه أحد أبرز الأوجه الشابة التي تنشط في التحريض على المسجد وعلى الجهة المشرفة عليه، وشغل مناصب قيادية في اثنتين من «منظمات المعبد» البارزة، فقد شغل منصب رئيس منظمة «طلاب من أجل المعبد»، ثم أصبح المدير التنفيذي لمنظمة «تراث جبل المعبد»، وفي هذه المادة نسلط الضوء على أبرز المواقف والاعتداءات التي قام بها نيساني في السنوات القليلة الماضية، ودوره في رفع سقف الاعتداء على المسجد ومكوناته البشرية.

بدأ اسم نيساني يتداول بكثرة إثر كشف دائرة الأوقاف الإسلامية عن قيام مستوطنين بعقد قرانهم تلموديًّا داخل المسجد الأقصى، ففي أواخر شهر يونيو (حزيران) 2017 عقد نيساني الذي كان حينها رئيسًا لمنظمة «طلاب من أجل المعبد» قرانه تلموديًّا على خطيبته سارة لوركات في باحات المسجد الأقصى، وكلاهما من نشطاء «المعبد»، ونشر نيساني فيديو وهو يمشي إلى جانب خطيبته، ويشرح أهمية «الموقع»، قبل أن يضع الخاتم في إصبع خطيبته بحضور شاهدين، وتلاوته «بركة» تكرس الزواج تلموديًّا بشكلٍ رسميٍّ، وقال أمام الكاميرا إنه تزوج «في أقدس موقع للشعب اليهودي».

ويشارك نيساني في اقتحامات المسجد، متعمدًا الإيحاء بالسيادة الإسرائيلية على الأقصى، ففي 29سبتمبر 2018 رددت مجموعة تنتمي لـ«طلاب من أجل المعبد» النشيد الوطني الإسرائيلي(الهاتيفكاه) بصوت مرتفع داخل المسجد الأقصى خلال مشاركتها في اقتحام المسجد، وقد أحدث هذا الاعتداء غضبًا كبيرًا لدى المصلين والمرابطين، وهذا ما دفع قوات الاحتلال إلى اعتقال مستوطنين وإخراجهما من المسجد الأقصى، أحدهما توم نيساني.

وعلى الرغم من قيام نيساني بهذه الاعتداءات، وإشرافه على واحدة من «منظمات المعبد» المسؤولة عن نحو 10% من أعداد المقتحمين، يعمل نيساني على محاولة قلب الحقائق، في سياق الترويج في وسائل إعلام الاحتلال لـ «معاناة» مختلقة يتعرض لها المستوطنون داخل الأقصى، فقد نشر في 5 أكتوبر 2018 مقالًا في صحيفة «عروتس شيفع» التي تعد لسان حال المنظمات المتطرفة، بعنوان «جبل المعبد بأيديهم»، أما عنوانه الفرعي فكان «زيارة جبل المعبد تشبه السفر إلى بلد من العالم الثالث القمعي». وأسهب نيساني في تصوير حجم «الاضطهاد» الذي يتعرض له المستوطنون خلال اقتحام الأقصى، زاعمًا مراقبة الأجهزة الأمنية التابعة للاحتلال نشطاء «المعبد»، وذكر أن «المسجد الأقصى يشكل فشلًا ذريعًا بالنسبة إلى سلطات الاحتلال»، في إشارة إلى فشل الاحتلال في فرض إدارته الكاملة على المسجد، وقال إن المكان يجب أن يكون «التاج لأرض إسرائيل»، والواقع هو عكس هذه الفكرة.

واستمر نيساني في نشر الرؤية الإسرائيلية المتعلقة بالمسجد الأقصى، ولكنها كانت هذه المرة في سياق الترويج لاتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية، خاصة البنود التي تشير إلى الاقتحامات التطبيعية للمسجد المبارك، ففي مقالة لنيساني في صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، قال فيها إن مسؤولين كبارًا في الإدارة الأمريكية أعلنوا عدة مرات أن الاتفاقيات ستسمح للمسلمين من البلدان المعنية، بالصلاة في المسجد الأقصى، وأعلن نيساني أن ممثلي العائلات المالكة في الإمارات والبحرين، لا ينكرون حقوق الشعب اليهودي في القدس، وعلى وجه الخصوص في الأقصى، ولا يعادونهم، لأنهم قرروا الحفاظ على السلام على أساس المصالح المشتركة، وهم يتطلعون إلى مستقبل أفضل؛ إذ يمكن لليهود والمسلمون الصلاة معًا في الحرم القدسي الشريف؛ مؤكدًا أن الأقصى هو «مكان يهودي».

ومع تسلم نيساني منصب المدير التنفيذي لمؤسسة «تراث جبل المعبد» نفذ المزيد من الاستهداف للأقصى ودائرة الأوقاف الإسلامية، ففي 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 شارك نيساني في اقتحام الأقصى وقرأ بيانًا باللغة العربية دعا فيه العرب المطبِّعين إلى التكاتف مع الإسرائيليين لـ«طرد الأوقاف العنيفة والإرهابية» من المسجد الأقصى. وصوَّر المستوطنون الذين رافقوا نيساني قراءته البيان، وبثوه مباشرة على صفحات «منظمات المعبد» على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع تحضيرات المنظمات المتطرفة لاقتحام الأقصى أواخر شهر رمضان، وجهت منظمة «تراث جبل المعبد» التي يعمل فيها نيساني في 22 أبريل (نيسان) 2021 رسالةً إلى وزير الأمن الداخلي في حكومة الاحتلال طالبته بالسماح لمقتحمي الأقصى بإدخال أكياس الطعام والشراب إلى داخل الأقصى، والسماح لهم بتناولها داخل المسجد في نهار رمضان، وعللت طلبها بأنه من «حقوقهم الطبيعية»، وأشار نيساني إلى أن إدخال الطعام إلى الأقصى «خطوة في طريق بناء المعبد».

وإثر اندلاع معركة سيف القدس، وإغلاق قوات الاحتلال باب المغاربة أمام اقتحامات المستوطنين، دعا توم نيساني في وسائل إعلام عبرية في 23 مايو  (أيار) 2021، إلى ضرورة إعادة فتح المسجد الأقصى أمام الاقتحامات، وقال «هذا صباح مهم جدًا ينقذ القليل من الشرف الوطني لشعب إسرائيل»، ودعا نيساني حكومة بنيامين نتنياهو إلى سحب جميع صلاحيات إدارة المسجد الأقصى من دائرة الأوقاف، وفتحه «طوال ساعات اليوم أمام اليهود من جميع أبوابه، والتوقف عن الخضوع لتهديدات حركة حماس»، في إشارة إلى قدرة المقاومة على التأثير في مجريات الأحداث في القدس المحتلة.

أخيرًا، صورة «الشاب اليهودي» التي يعمل توم نيساني على إبرازها، وتقدم طاقتها في الدفاع عن حقوق مبتدعة للمستوطنين، من الواجب أن يقابلها صور الشباب العربي والمسلم الذي يحمل قضية المسجد الأقصى والدفاع عن مكوناته البشرية، وهي صورة لا تحتاج إلى الكثير من العمل فالنماذج موجودة ومتعددة، ولكنها بحاجة إلى المزيد من الإظهار وتسليط الضوء على الجهود الشبابية العربية والإسلامية، وإفراد المساحات الإعلامية أمامهم، وهذا ما يعطي صوت هذه الشريحة الشابة صدى أوسع وقدرة أكبر على العمل والتأثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد