مقدمة

بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، استمرت دولة الخلافة الراشدة ما يقرب من الثلاثين عامًا، لم يكن الحكم فيها وراثًيا، بل قائمًا على الشورى. واشتهر الخلفاء الراشدون فيها بالورع والزهد والتواضع وعاشوا حياتهم بعيدًا عن أبهة القصور وبشكل مماثل لحياة العامة. وعلى الرغم من أن الفتن أخذت تدب في جسم دولة الخلافة الراشدة أواخر عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه فقد اتفق جميع علماء أهل السنة والجماعة على أنهم أفضل حكام المسلمين وأعدلهم.

بعد الخلفاء الراشدين ظهرت دول الخلافة الإسلامية التى كان الحكم فيها قائمًا على التوريث. وأولى هذه الدول هي الدولة الأموية تلتها العباسية ثم العثمانية. ولكل من هذه الدول عيوبها ومميزاتها وقد اشتركوا فى بعضها واختلفوا في البعض الآخر.

في هذه السطور سأوضح بعض المآخذ والملاحظات على الدولة العباسية وبعض الأحداث التى حدثت فى تلك الفترة ومهدت لتحولات كبيرة فى حياة المسلمين فى شتى المناحي، ومنها:

1- الإقصاء والتحيز:

أخذ العباسيون على بنى أمية اعتمادهم العصبية العربية واستبعادهم الشعوب التي دخلت الإسلام من غير العرب _ خاصة الفرس من مناصب الدولة والمراكز الكبرى، إلا أنهم وقعوا فى نفس ما أنكروه على غيرهم وبشكل أكثر فظاعة وقساوة. فقد عمد العباسيون إلى استئصال كل العرب المناصرين للدولة الأموية واعتمدوا فى بناء دولتهم على الفرس ووكلوا إليهم ارتكاب فظائع لا داعي للخوض فى تفاصيلها لما بها من بشاعة ولما قد يشوبها فى كثير من الأحيان من مبالغات وأخبار كاذبة. ويكفي فقط أن نذكر أن الفارسى أبو مسلم الخرسانى _ والى خرسان و أحد الأعمدة الرئيسة التى قامت عليها الدولة العباسية_ يضعه بعض المؤرخين فى مرتبة أعلى من الحجاج بن يوسف الثقفى من حيث القتل وسفك الدماء. ليس هذا فحسب بل أن الكثير يربطون بين لقب ” السفاح” الذى اشتهر به أبو العباس أول الخلفاء العباسيين وبين كثرة سفكه للدماء ولم يفلت من تلك الإبادة والمجازر بحق بنى أمية إلا عبد الرحمن الداخل مع نفر من أهله، حيث فر إلى المغرب ثم دخل الأندلس واستقر بها وأعاد حكمًا أمويًا جديدًا فيها.

2- قيام الدولة على المصالح دون المباديء:

لم يكترث العباسيون في دعوتهم التي استمرت 32 عامًا بانتقاء من يساندهم في هذه الدعوة، وانصرفوا إلى تجميع أكبر عدد من الساخطين علي بني أمية علي اختلاف مللهم ومذاهبهم وأهدافهم حتى تتحقق لهم مصلحتهم وغايتهم في القضاء على الأمويين، ومن ثم اعتمدوا بشكل كبير علي كتل الموالي والأعاجم الذين أيدوا الدعوة علي عكس معظم القبائل العربية التي لم تساند هذه الدعوة بدرجة تذكر. ولذلك تسرب إلي الدعوة عدد لا بأس به من الغلاة خاصة من الفرس الذين بدورهم وجدوا مصلحتهم في الإنضمام للدعوة العباسية.

يقول المؤرخ محمود شاكر: “إن مساعدة الفرس لم تكن إلا لمآرب خاصة وأغراض شخصية ومصالح محددة وغايات مرسومة، وكانت هناك دوافع أخرى رأسها العصبية وفيها حنين إلي الماضي البعيد أملًا في إعادة المجد الكسروي.” (1(

وقد أدت هذه التوليفة الغريبة التي قامت عليها الدولة العباسية إلى ثورات دامية وخطيرة فور إنتهاء الإرتباط المصلحي بين العباسيين و الموالي من الفرس. وهذه الثورات “شغلت الدولة سنين كثيرة وزعزعت المجتمع المسلم بشدة وهددته تهديدًا جديًا” ولم يتوقف الأمر إلي هذا الحد بل أدي إلي تفتت الدولة في وقت مبكر. وبحسابات المصالح نستطيع أن نقول أن العجم قد تمكنوا من تحقيق أهدافهم ومصالحهم علي حساب العرب في المشرق الإسلامي.

3- تحول التشيع من تيار سياسى إلى مذهب وعقيدة:

كانت الأجواء فى الدولة العباسية مواتية لإحداث نقلة فى التشيع كما أوضح  الباحث العراقي نبيل الحيدري في كتابه ” التشيع العربى والتشيع الفارسى” فحولت إياه ” إلى عقائد وفقه وثقافة وتقاليد وأعراف وممارسات تفصله تمامًا عن التشيع العلوى العربي الذي يلتقي مع التسنن المحمدي في الأصول الإسلامية وأركان الدين الحنيف والمبادئ القرآنية كما يحترم الخلفاء الراشدين الأربعة وأزواج النبي ويقوم على مبادئ الإمام على وحركته الاجتماعية والسياسية وأصبح ذلك معروفًا بالتشيع الصفوي”.

يبين الحيدري أنه كان من الصعب على الحضارة الفارسية والكبرياء الكسروى أن يخضع للعرب وخليفتهم فى معركة القادسية. فتنكسر شوكة الفرس  وغطرستهم وتاريخهم وثقافتهم ودينهم أمام أعراب الصحراء المتخلفين عن العلم والحضارة من وجهة نظرهم. فظهر الإنتقام من الدين والعرب والثقافة من خلال التغلغل الفارسي والإنتقام من الخليفة السني وفي العنصرية ضد العرب. فالفرس الذين جاءوا إلى الكوفة وتشيعوا وجلبوا معهم تقديس ملوك الفرس و انحرافات عقدية حولت التشيع إلى طقوس غريبة وعجيبة من الكراهية والطعن فى العقيدة والفقه، كما كانت الحركات الفارسية المارقة عن الدولة العباسية ناقلة للأفكار المجوسية إلى التشيع. (2(

4- توقف الفتح والتوسع وتفتت الدولة:

توقفت الفتوحات الإسلامية الكبرى ضد الدولة البيزنطية وإنشغل العباسيون بصراعاتهم الداخلية والخارجية، بأمل الحفاظ على نفس حدود الدولة الإسلامية التي ورثوها عن الأمويين ولكنهم حتى لم ينجحوا فى ذلك إلا لسنوات وجيزة. حيث بدأت العديد من الدويلات الإسلامية فى الظهور والإستقلال، فاستقل بعضها إستقلالًا تامًا كدولة الأدارسة الزيدية في المغرب، بينما قبل البعض الآخر بإستقلالًا منقوصًا فى إطار التبعية الإسمية للخلافة العباسية كدولة الأغالبة.

وبالعودة مرة أخرى للفتوحات الإسلامية، فإننا بالكاد نستطيع أن نتلمس فتحًا هامًا قام به أحد خلفاء الدولة العباسية باستثناء تلك الغزوات التي قام بها هارون الرشيد من أجل تحصين الثغور المتاخمة للدولة البيزنطية للحفاظ على حدود الدولة، وكذلك فتح ابنه المعتصم لـ”عمورية” وهي واحدة من أهم مدن آسيا الصغرى.

أما الفتوحات الكبرى فقد تكفلت بها تلك الدول الناشئة التي حظيت بنوع من الاستقلال فى المغرب الإسلامى. فقد نجح الأغالبة على يد البطل أسد بن الفرات فى فتح جزيرة صقلية، تلك الجزيرة التى فشل المسلمون منذ بداية حركة الفتوحات فى فتحها. وقد اهتز لسقوطها القسطنطينية، إذ كان لذلك الفتح أكبر الأثر على الفتوحات فى حوض البحر المتوسط. وتعد هذه الجزيرة مفتاح التحكم فى حوض البحر المتوسط الأقصى والغربى خاصة فى إيطاليا. والجدير بالذكر أن المساعدات والإمدادات العسكرية كانت تأتي الأغالبة من الأندلس وليس من الدولة العباسية التي يدين لها الأغالبة بالولاء. ومن بعد صقلية تمكنوا من فتح مالطة.

إلى جانب الأغالبة، ظهر مجاهدو البحر المسلمون الذين تمكنوا من فتح جزيرة كريت بغزوة خاطفة ودون عناء يذكر، فكان لسقوطها وقع الصاعقة على الإمبراطورية البيزنطية لموقعها الاستراتيجي الهام. وبذلك تمكن الأغالبة ومجاهدو البحر من إنهاء تسيد الدولة البيزنطية على جزر البحر المتوسط واستبدال السيادة البيزنطية عليه بالسيادة الإسلامية. فى نفس الوقت الذى شهد تخلى الخلافة العباسية عن الإهتمام بتلك المنطقة المحورية التي مهدت لحمل المسلمين فيما بعد إلى حدود ألمانيا وسويسرا وغزو قلب أوروبا ولكن على أيدي الأمويين فى الأندلس الذين كانوا طرفًا مناهضًا للدولة العباسية. (3(

5- ظهور أنماط عجيبة وغير مألوفة من التحالفات:

تمكن عبد الرحمن الداخل من إحياء أمجاد الدولة الأموية في الأندلس وأقام إمارة فيها بعد أن أنهي الصراعات الداخلية بها وذلك بعد ست سنوات فقط من قيام الدولة العباسية. فأصبحت هذه الدولة الأموية شوكة في جنب الدولة العباسية وأقضت مضاجع خلفائها ونمت علاقات العداء والصراع والتوجس بينها وبين العباسيين. نتج عن ذلك الصراع قيام علاقات تحالفية بين قوى إسلامية وأخرى مسيحية، فتحول العالم لأول مرة من النظام ثنائي الأقطاب إلى النظام متعدد الأقطاب. وسادت العالم علاقات تحكمها المصالح قبل الأهداف الدينية. فتكون تحالف تكتيكي بين الدولة العباسية والإمبراطورية الرومانية تحول من مجرد التناصر المعنوي إلى التحالف العسكري الكامل للقضاء على الحكم الأموي في الأندلس وذلك في عهد المهدي بن المنصور. الأمر الذي دفع بالأمويين مضطرين إلى القيام بهدنة مرحلية مع دولة مسيحية تكون ندًا للإمبراطورية الرومانية والدولة العباسية في نفس الوقت، وتحالفوا مع الإمبراطورية البيزنطية.

علي عكس العباسيين..كانت مهادنة الأمويين مع البيزنطيين من أجل الدفاع والحفاظ على الوجود الإسلامي في الأندلس بعد أن وصل الأمر بالعباسيين إلى الاتفاق مع شارلمان علي إنهاء الوجود الأموي هناك. فقد اتفقوا معه علي تسليمه مدنًا إسلامية تمكنه من فرض سيطرته كاملة علي نصف إسبانيا إذا ما تمكن من القضاء علي الأمويين. وشاء الله أن يفشل هذا المخطط لأسباب عدة أهمها رفض أهالي تلك المدن تسليمها لشارلمان وإغلاق أبوابها في وجهه ووجه حلفائه العباسيين.(4) ولقد كان لانتصار المسلمين في هذه الموقعة أثر كبير فيما بعد علي إستمرار الأمويين في سياسة الجهاد خاصة طوال فترة حكم هشام بن معاوية والذي تمكن من تحقيق انتصارات هائلة على الإمارات المسيحية في شمال الأندلس كما تمكن من هزيمة شارلمان في معركة حامية الوطيس في جنوب فرنسا. أدرك العالم حينها أن زمام المبادرة عاد ليد المسلمين مرة أخرى في مواجهة الأسبان والفرنسيين، إذ وقفت الدولة الأموية في الطرف الغربي من العالم الإسلامي على قدم المساواة مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة في الوقت الذي كانت الدولة العباسية تستعد فيه لدخول عصور التفكك والاضمحلال.

6- تحول بلاط الخلفاء إلى نواد للموسيقى:

مما يحسب للدولة العباسية أنها اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالآداب والعلوم وأصبحت بغداد بحق قلعة من أبرز قلاع العلم فى العالم كما ازدهرت الترجمة وعلوم الكلام. ولكن من المفارقات العجيبة أن الدولة رغم مشاكلها وصراعاتها الداخلية والخارجية أولت عناية خاصة بالموسيقى لدرجة لم يسبقها فيها أحد من المسلمين من قبل. فأضحى الخلفاء موسيقيين وعازفيين ومغنيين، و تحول قصر الخلافة فى عصر الخليفة  الواثق بالله _ الخليفة التاسع – إلى معهد للموسيقى. فبحسب شهادة المؤرخ حماد بن إسحق الموصلي فهو “أعلم الخلفاء بهذا الفن، وكان مغنيًا بارعًا وعازفًا ماهرًا على العود. وقد لقي الفن من التشجيع والكرم في بلاطه ما يجعل المرء يظن أنه تحول إلى معهد للموسيقى، بدلا من كونه مجلسًا لأمير المؤمنين.”(5(

و قد اقترنت مجالس الطرب والسمر عادة بالمجون والخلاعة وشرب الخمر بما يتعارض بشكل صريح مع الشريعة الإسلامية، مما جعل الفقهاء العباسيين يحرمون الموسيقى والغناء ومثل تلك المجالس.

خاتمة:

لم تكن الدولة العباسية دولة توسع وفتوحات ولكنها كانت دولة إنجازات علمية وانتصارات عسكرية. صحيح أن الانتصارات العسكرية  الكبرى لم تتم على أيدى العباسيين أنفسهم ولكنها فى النهاية تحققت على أيدي رجال عظماء ينتمون بشكل أو بآخر إلى الحقبة العباسية.

فقد عاشت دولًا كالدولة الأيوبية والسلجوقية والمملوكية  كدولًا مستقلة إستقلالًا شبه كامل عن الدولة العباسية، ولكنها ظلت حريصة على الإبقاء على الخليفة كرمز للدولة الإسلامية واحتفظت له بالولاء. هذه الدول أفرزت شخصيات كصلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز اللذان تمكنا من هزيمة الصليبيين والمغول أكبر الأخطار التي تهدد الدولة الإسلامية حينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- الفرس والدولة العباسية : إلياس بلكة
2-حرب التشيع بين الفرس والعرب: رامى زيدان
3- الدولة العباسية من التخلي عن سياسات الفتح إلى السقوط
4- الدولة العباسية من التخلي عن سياسات الفتح إلى السقوط
5- ويكيبيديا الموسوعة الحرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد