تعودت في طفولتي مع إجازة كل صيف أن أركب القطار مع أمي وإخوتي ليقلنا من القاهرة إلى الوجه القبلي حيث المنزل الكبير لجدي وجدتي، والذي كان متسعًا لجميع الأبناء والأحفاد.

تنتمي والدتي إلى عائلة معروفة بإحدي محافظات الصعيد، يتفاخر المنتسبون إليها.. كما أنتمي من ناحية والدي إلى عائلة كبيرة أخرى، لا يقل التفاخر بين المنتسبين إليها عن تفاخر عائلة أمي.

كنا نستيقظ مبكرًا في الفيلا الأنيقة؛ لتناول طعام الإفطار، ثم نهرع إلى الحديقة الواسعة لنقضي بها يومنا، والتي كانت تحتضن بين جنباتها بعضًا من أشجار الليمون والفاكهة، وحظيرتين، إحداهما لتربية الدجاج، وأخرى لتربية الأرانب، كما كان جدي يربي كلبًا للحراسة.. وكان في المنزل خادمتان يقمن بالأعباء المنزلية، وبعد انتهاء عملهن كانتا تجلسن مع الأحفاد، وأنا منهم؛ ليقصصن الحكايات التي لا تنتهي، ويقسمن على صدقهن.. عن الأشباح والخرافة.. وكنت ألجأ خوفًا إلى والدتي، فتضحك وتطمئنني أنها من خيالهن، ولا يجب علي أن أعتقد في مثل هذا الهراء. ويبدو أن رتابة حياة الصعيد الهادئة والبسيطة قد دفعت بعض الناس لتصديق الخرافة، كنوع من أنواع الإثارة، ولإضافة شيء من المتعة والترفيه ليس أكثر.

وبعد انتهاء العطلة الصيفية كنت أعود وكأني قد قضيتها داخل قصة قصيرة من قصص الخيال، ثم أخرج منها لأجد نفسي في القاهرة بين أقراني في المرحلة المدرسية. تعودت لعملية الانتقال بين الواقع والخيال طيلة سنوات طفولتي حتى وفاة جدي، إذ لم يعد المنزل الكبير كما كان، وشيئًا فشيئًا توقفنا عن الزيارة التي كنت أستمتع بها كثيرًا، ولا يعكر صفوها، إلا حنيني لوالدي الذي كان لا يسافر معنا بسبب ظروف عمله، لكني لم أتخل عن أفكار التفاخر والتميز، والتي كانت تغذيها ثقافة مجتمع بأكمله.

مر على آخر زيارة لي للصعيد عقد كامل من الزمان، وكتب لي القدر الانتقال للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.. لم أحزم إلى الولايات المتحدة حقائب ملابسي فقط، بل معها حقائب أفكاري وخبراتي المتواضعة كفتاة في مطلع العشرينات، وكذلك إحساسي بالتميز والفخر بمصريتي وإسلامي ونسبي، وكل شيء لا يمت بصلة لقيمة حقيقية للفرد وتأثيره في المجتمع الذي يعيش فيه، لكنها أشياء قد فرضها واقع المصادفة، والمصادفة هنا بمعنى أنه ليس لنا دخل بها، ولم نخترها أو نصنعها بأيدينا.

لا شيء بين القاهرة والولايات المتحدة متشابه.. فلا أسمع شيئًا من أفراد هذا المجتمع عن قصص التفاخر كما عهدت.. ولا يهتم أحد بذلك، وإن حاولت القيام بعملية تقييم شخص من خلال ثقافتي تصدمني المفاجأة والإخفاق الحاد.. فراكب الدراجة قد يكون أستاذًا جامعيًا يعلم أجيالًا، وتلك السيدة الأنيقة ليست إلا عاملة نظافة، وهذه الطفلة لديها من المعلومات والمهارات أكثر مما أحرزته في سنوات عمري كلها، وهذا اللاديني أكثر دماثة من معتنقي الأديان.. فلا معيار حقيقي لتقييم الأفراد إلا عملهم.. أحسست بدور البيئة في تشويه الوعي، وأدركت أن الثقافة تلعب دورًا وتفرض لغتها علينا بكل مفرداتها؛ فقررت أن أتخذ موقفًا، وأدخل في معركة تحرر، وأستعيض بمصاحبة المنطق والعقل، إذ شعرت أنه لا يوجد سواهما دليل في غربتي بعد اعتداء الثقافة على فطرتنا السليمة، وعهدت إلى نفسي أن أتناول كل مبحث بشيء من الحيادية بعيدًا عن أية اتجاهات أو انحيازات قد فرضها واقع المصادفة، ودربت نفسي على ترتيب الأفكار وتحليلها وإعادة بنائها حتى تملأ  قناعاتي.

كان علي أولًا أن أدع هذا الإحساس المأزوم بالتميز والتفرد.. هذا الإحساس الذي لا يمكن أن أعزيه لحقيقة، بل رغبة تتطلبها الحاجة إلى الشعور بالقيمة.. فنحن شعب يشعر بالدونية، ويلجأ إلى استبدال هذا الشعور المؤلم بأوهام كاذبة عن عراقة النسب أو امتلاك ناصية الحق والاعتقاد، أو حتى اقتناء المال، وان لم يجد ما يسعفه من هذه الأسباب، فلن يتوقف عن الغوص في جعبة الأوهام؛ ليجد بديلًا يؤهله لهذا التميز المزعوم.

والأفراد في المجتمع الأمريكي، أول ما يسألونك عنه هو ماذا تفعل، أو ما هو عملك، فهم لا يتحدثون عن أنسابهم، ولا يتباهون بأموالهم أو نفوذهم؛ فالجميع في هذا سواء، مهما اختلفوا، فلا تفاخر بواقع المصادفة، وبالطبع لا يتطرقون إلى الحديث عن الاعتقاد والدين؛ لأنه مجتمع متنوع يعتنق عددًا لا نهائيًا من الأديان، ومسألة امتلاك ناصية الحق لا تسيطر على عقولهم.

أما نحن فمجتمع مغلق يفتقر إلى الخبرة والمهارة والعلم، يعتنق غالبيته عقيدة الإسلام، فمن السهولة أن يتخذ من العقيدة وسيلة للتمييز إلى حد التطرف أحيانًا كثيرة، وإهانة الآخر، وانتهاك حقه في حرية الاعتقاد، بل الدعوة لعدم التشبه به، وإن فرضت بعض الشعائر شيئًا من ذلك في صيام أو صلاة أو غيرها ندعو لنبذها أو استبدالها بحذف أو إضافة لنقي أنفسنا شر التشابه ونحتفظ بداء هوس التميز في الوقت الذي لا أعرف فيه سببًا يضيرنا من حقيقة تشابهنا مع الآخر.

نحن في حاجة ماسة لأن نبرأ من هذه الأوهام حتى تكون لنا قيمة حقيقية، ودور فعال في التطور، وليس مجرد خيالات خادعة وإدراك أن واقع المصادفة لا يجب أن يكون محل تفاخر.. فالتميز الحقيقي لا يتأتي إلا بالعلم واتقان العمل، وأي شيء غير ذلك لا يمثل أهمية  لأحد على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك