الإنسان أصل معرفته، وسبب شقاؤه وسعادته، الإنسان الذي عُرف بالعقل واستخدمه كآداة لتمييز الأشياء من خلال حواس يمتص بها ما يروق له وما يظنه الحق والحقيقة، ولكن ما إن تزيفت الحواس وغاب العقل وغلب الهوى باتت الحقائق مشوشة يشوبها الكثير من الظنون وتبعد كثيرًا عن اليقين في كل شيء حتى فيما يراه الإنسان ويشعر به، وبالتالي يتذبب مع أفكاره ومشاعره وتبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير والذي يتغير هو إدراك من يراها، لكن من بدأ بالتشوية هل الإنسان أم الحقائق اختارت الاختباء خلف الكثير من السدود كي لا ينالها سوى مغامر ومن اختار أن يخوض المعارك مع نفسه وأفكاره وما يقابله في حياته من ظروف وأقدار وأشخاص.

أيهما أقوى الإنسان أم الحقيقة؟

كفار قريش حينما جاء النبي محمد بالرسالة الخاتمة والهدي لم يشككوا في إدراكهم ولا عقولهم، بالتأكيد أنهم مهتدون وهذا ما جاء به النبي محمد إفك، فالإنسان لديهم هو المعيار إذا لم يهتد ولم يقتنع ولم ير حقًا فيما يقال فهو لهم بالتأكيد إفك وضلال، وقليل ما يلتفت إلى صلاح آلة العقل والنظر والتجرد للحق قبل الحكم على فساد ما سوى رأيه وضلال كل غير، غير أفكاره عاداته موروثاته أو ما يختلط بمصالحه.

كان هذا نموذجًا واضحًا حينما يتحول الإنسان إلى المعيار الأوحد لكل ما حوله يكتفي بذاته وما أدركته حواسه حتى وإن فسدت الحواس وفسد التفسير أصبح الناتج صعب التشكك فيه، ومنها بدأت فكرة الإنسان أكبر ومع ظهور الاستهلاكية أصبحت سعادة الإنسان والبحث عن السعادة واللذة هي الهدف الأول والأسمى وفي سبيله كان لا بد أن ندهس أي قيم أو غاية وحينما تحولت الاستهلاكية لغاية أصبح الإنسان دون أن يدري وسيلة للحصول عليها.

من الإنسان أكبر حتى العدمية

يقول المسيري في كتاب رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر في استعراض لحديثه عن الإنسان في إطار الاستهلاكية والعلمانية: إن العلمانية الشاملة تؤدي إلى تفكيك الإنسان فهي ترد الإنسان المركب إلى ما هو دون الإنسان، وحينما يتم تفكيك الإنسان فإنه يلقى به في عالم الحركة التي لا مركز لها.

ويستطرد في جزء آخر من نفس الكتاب: المتتالية العلمانية الشاملة كما تحققت في الواقع أدت إلى مركزية المادة وتهميش الإنسان واختفائه، ثم إلى اختفاء المركزية كلية وإلى ظهور الفلسفات العدمية بما في ذلك ما بعد الحداثة.

ومع تفكيك كل شيء نصل إلى العدمية الكاملة أو إنكار المركز إلهيا كان أم إنسانيًا وإنكار القيمة بل إنكار الحقيقة أصلا ومن ثم المقدرة على الحكم أي إننا نصل في النهاية إلى مرحلة اللاعقلانية المادية.

ماهية العدمية

أن تدرك أن كل شيء فان وبلا معنى ومصيره للتلاشى والانتهاء، وبالتالي لا فائدة مرجوه من أي خطوة تخطوها في الحياة فالعاقبة النهائية لا شيء، هذه النظرية المجردة صحيحة في ذاتها ولكنها خاطئة في نتائجها، إدراك أن الفناء لاحق بكل شيء على هذه الأرض هي الحقيقة الثابتة وبالتالي لا بد العمل لاغتنام هذه المدة المحددة لنا نحن على هذه الأرض، ولكن النتيجة التي خلص لها العدميون هي أن التوقف حتى نفنى نحن هو فكانت هذه الوسيلة المثلى للتعامل مع الفناء.

العدمية هي فكر فلسفي ظهر بقوة بين سطور الأدب، ذكرت الكاتبة نانسي في كتابها أساتذة اليأس أن المعاني المختلفة لكلمة العدمية ذاتها توضح الصلة بين «الكل» و«اللاشيء» ففي روسيا في القرن التاسع عشر لم تكن الكلمة تشير إلى اليائسين الذين ما عادوا يكترثون لشيء، بل إلى الراديكاليين الذين كانت عقيدتهم تتمثل في سؤال تشيرنيشفسكي وكانت روايته «ما العمل؟» مصدر إلهام للشباب الثوري في روسيا، ولكن دوستويفسكي مؤلف ( يوميات القبو) كان يرى أن تسابق أولئك الشباب نحو الكارثة والحروب ليست سوى عدمية لا جدوى منها. فالعدمي يرى أنه مختلف عن هذه الجموع المتحمسة للموت من أجل مبادئهم وعقائدهم وأن لا جدوى لتلك المثالية، وهو يحيا ذاته كشخص متوحد منعزل كغريب لا يمت له العالم الخارجي بصلة.

العدمية والأدب

بحسب الكاتبة نانسي هيوستن في كتابها «أساتذة اليأس» فإن انتشار العدمية في الأدب من رواية وشعر كان له تأثيره بسبب رفض للعالم القائم وتعبير عن النقصان، فالكتابة بالنسبة للعدمي ملجأ يشعره بالأمان ويبعده عن الانتحار، كما قال سيوران الكتابة انتحار مؤجل.

أسطورة سيزيف الحكاية الأولى للعدمية

تعد أسطورة سيزيف الملك الذي عوقب بأن يحمل الصخرة حتى قمة الجبل وما إن وصل يلقيها ويعاود حملها مرة أخرى مثال واضح على فكرة العبثية والتي يتولد منها فكرة العدمية، هناك مجهود مبذول لكن بلا هدف ولا معنى ولا غرض سوى توهم الاستمرار.

العلاقة بين العدمية والوجودية

من التضادات تتضح الأشياء وتظهر أشياء أخرى، وهذا ما فعلته العدمية، فمن فلسفة العدمية انبثقت الفلسفة الوجودية والتى تعني أن لكل إنسان هدف في الحياة وكل منهم مسئول عن تحقيق معنى له في الحياة والسعي خلفه وإن كانت في النهاية مصيره الفناء أو العدم.

يقول نيتشه: «إن التأثيرات الهدّامة للعدمية ستدمّر في النهاية كل المعتقدات الأخلاقية، والدينية، والميتافيزيقية، وتؤصل للأزمة الأعظم التي ستواجه الفكر البشري في التاريخ» وللخروج من هذه الأزمة بالتأكيد لا بد من معاني تحمل الكرامة والإنسانية والفن والإبداع يسعى الإنسان نحوها، وبالتالي تأصلت فكرة الوجودية وولدت من رحم العدمية، ففلاسفة الوجود يؤمنون أن كل إنسان يولد في عالم خال من المعنى حتى يجد معناه الخاص والغرض منها وغاية سعادته.

كيف الخروج من جحور العدمية؟

علقت الكاتبة نانسي هيوستن في نفس الكتاب حول المخاوف التي تسيطر على العدمي بعبارة (كان بإمكانه أن يلوذ بالإيمان)، فالكاتبة تعترف هنا أن الإيمان بشيء ما يجعل الإنسان قادر على مكافحة شكوكه وتحاشيه لها، فالإيمان يعمل عمل المخدر الذي قد يبعده عن الوقوع في دوامة العدم.

لعل الإيمان هو ما يجيب عن تساؤلات العدمي وتصحح مسعى الوجودي فالحياة معنى ليس في ذاتها بل في الهدف الذي تؤدي إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد