مر خالد بجوار المسجد ولم يصلِّ فيه. وركبت أسماء التاكسي بجوار السائق.

الآن عزيزي القارئ، ما ظنك بهذين النموذجين (خالد وأسماء)، هل تعتقد أنهم بالفعل أجرموا في حق أنفسهم؟ ماذا لو رأيت رجلًا تقطر الخمر من لحيته؟ بم تحكم على شخص سمعته يقول «أنا ربكم الأعلى»؟

للأسف الشديد، ومما يندى له الجبين، أن كثيرًا منا فور سماعه عن خالد هذا الكلام سيحكم عليه أنه تارك للصلاة غير مبالٍ بها. وأما عن أسماء فلا حياء لها. وأما الرجل الذي تقطر من لحيته الخمر، فسوف يقوم بتصويره وفضحه بين الملأ، ولن يتردد لحظة في ذلك. وأما عن الأخير فهو فرعون الثاني من وجهة نظره.

ولكن مهلًا. هل هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هكذا كان تحليله للمواقف والأحداث التي تدور من حوله، هل كان بتلك السطحية والسذاجة؟

من منا لا يؤمن بالقرآن؟ من منا لم يسمع قول الله «واختلاف ألسنتكم وألوانكم»؟ من منا لديه شك في أننا مختلفون في أشياء كثيرة جدًا، كل منا لديه عقل مختلف عن غيره، وبالتالي فهو يمتلك معايير مختلفة يحلل ويحكم من خلالها على المواقف المختلفة التي يمر بها في حياته. لماذا لا نراعي الفارق في التفكير؟

تأملات في قصة ماعز رضي الله عنه

النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه ماعز ليطهره من الزنا، أتاه معترفًا بنفسه وبكامل قواه العقلية.
قد ترى أنه وفر على النبي بحثًا وتحقيقًا مجهدًا حقًا، فلقد اعترف بنفسه، ونحن نعلم أن الاعتراف سيد الأدلة، فماذا بعد الاعتراف؟ لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم كعادته أروع الأمثلة في الحكمة والتأني والدقة في إصدار الأحكام.

قال: «يا رسول الله طهرني»، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، وفي كل مرة يقول له: «ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه». حتى إذا جاءه في المرة الرابعة، سأله النبي صلى الله عليه وسلم «فيم أطهرك؟» فقال: «من الزنا».

ها قد اعترف بلسانه أمام القاضي بأنه زنى، حقًا إنها أيسر وأبسط قضية يمر بها أي قاض في حياته، فلن يكلف نفسه في البحث والتحقيق في إثبات التهمة أو نفيها. لكن ليس محمدًا بن عبد الله الذي بعث رحمة للعالمين صلوات ربي وسلامه عليه.

سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه «أبه جنون؟» فأخبروه بأنه ليس بمجنون. فقال «أشرب خمرًا؟» فقام رجل ليتاكد من خلال رائحة فمه، فلم يجد شيئًا. فقال صلى الله عليه وسلم: «أزنيت؟»، قال: «نعم».

يا الله ما أعظم هذا القائد، هل يمكن أن تصل رحمة حاكم، أو عطف مسؤول، أو رقة قاضٍ إلى هذا الذي نتحدث عنه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

يتحقق بنفسه من الأمر الذي يكاد يكون واضحًا تمامًا كما الشمس في كبد السماء عند الكثير منا، ولكن النبي أراد أن يعلم البشرية درسًا في التأني وعدم التسرع في إطلاق الأحكام حتى وإن كانت صادرة من صاحب الشأن نفسه.

سأل عنه قومه أيضًا «أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟» فاعترفوا له بصحة ورجاحة عقله. بل لم يكتفِ بذلك، توجه لماعز وسأله: «لعلك قبلت، أو غمزت أو نظرت؟» فقال: «لا».

أراد أن يتاكد بنفسه أن مفهوم الزنا الذي يوجب الحد واضح تمامًا وجلي في ذهن المعترف. ثم بعد أن تحقق النبي من أمره، فما كان له إلا أن يطبق شرع الله كما أمره، فأمر به فرجم.

هل هناك تفسير لما نراه من سطحية عند الكثيرين منا؟

يحضرني الآن سببان.

السبب الأول: جدير بالذكر أن العقل البشري والنفس عمومًا تميل للراحة والكسل، بل وتميل أيضًا للاستعجال في كثير من شؤون حياتها.

فعندما تسمع عن خالد أنه مر بجوار المسجد ولم يصل فيه، هنا يميل العقل لأقرب وأيسر تفسير وتحليل لما حدث، وهو أن خالدًا لا يصلي، متلاشيًا بهذا الحكم كل ما هو راجح ووارد في تفسير ما حدث. ولا يضع في اعتباره مثلًا أنه قد يكون ذهب ليصلي في مسجد آخر أبعد من هذا، ليكون له قدر أكبر من الدرجات عن الله.

مهلًا أيها العقل البشري، ألا يمكن أن يكون هذا السائق هو والد أسماء؟ ألا توجد احتمالات أخرى غير تلك السحطية الساذجة التي تميل إليها بكل سهولة ويسر؟

بالنسبة لأحد السلف رضوان الله عليهم، فلو رأى هذا الرجل الذي تقطر الخمر من لحيته، لاحتمل أن تكون قد سكبت عليه. وأما عن فرعون الثاني فهل كل من يقرأ سورة النازعات، الآية 24، يعد فرعونًا ثانيًا؟!

قلت لك تمهل أيها العقل البشري، فعندما تكتشف خطأك الفادح في تحليل المواقف بتلك السطحية، فلن يعجبك الأمر إطلاقًا.

السبب الثاني: وهو أن للأمر بعدًا نفسيًا، فحينما نسمع كلامًا من شخص نحبه، فسوف نفسره بأجمل تفسير، ونتجنب تلك الظنون السيئة التي قد تهاجمنا ونحن نحاول تفسير وتحليل ما قاله. وأما إذا صدر نفس الكلام من شخص نبغضه فبالطبع سنقوم بالتنقيب عن أي تفسير يجعله في موقف المتهم، ونشفي بذلك غليلًا في صدورنا ما أقبحه.

ماذا نفعل كي نتجنب تلك السطحية؟

في الحقيقة لابد أولًا وقبل كل شيء أن تستعين بالله عز وجل، وتسأله أن يزيل عنك هذا البلاء.

حسنًا، ما رأيك في أن تبحث في ذكرياتك عن موقف أصدرت فيه حكمًا في عجالة، ولم تتريث في اتخاذ القرار، ثم بعد ذلك اكتشفت أنك كنت على خطأ، وأن الأمر كان له أبعاد أخرى لم تضعها في حسبانك، وحينها شعرت بندم عميق في قلبك على هذه السطحية.

كل ما عليك فعله، هو أن تتذكر هذا الموقف في كل مرة تقوم فيها بدور القاضي، وتعرض عليك مواقف تحتاج منك للتأمل والتفكير من أكثر من جانب. قل لنفسك «لماذا أعتقد أن هذا هو التفسير الواضح والصحيح الذي لا يقبل الطعن إطلاقًا، ألم أكن متيقنًا أيضًا من صحة اعقتادي في الموقف السابق، ثم اكتشفت أنني كنت على خطأ، لم لا يكون هذا الموقف شبيهًا بالذي قبله؟».

ولك أن تهتم بهذا الأمر حق الاهتمام وتبدأ في البحث عن طرق عملية وفعالة للتخلص من هذا الداء، وابدأ بالممارسة والتطبيق واصدق النية لله عز وجل وستجد العون من الله.

وجدير بالذكر أن تلك السطحية كفيلة بأن تقوم بتجريدك ممن حولك من الأصدقاء والأحباب عامة، وتجعلهم ينفرون منك أيما نفور، فمن منا يحب أن يكون لديه صديق متسرع، سطحي وصاحب ظن سيئ؟
لا أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد