2013

عندم حانت لى الفرصة لحضور مهرجان الاسكندرية  السينمائى الدولى  فى العام قبل الماضى كانت هذه المرة الأولى التى أشعر فيها بأنى محظوظة ، محظوظة جدا لكونى قابلت هذا الإنسان الرائع ، كان الفنان فى هذا الوقت و منذ عامين تقريبا يعانى من مرضه و كان يشتد عليه، كان ينحل من جسده، و يظهر فى ملامحه،  لكنه أبدا لن ينال من روحه، فظل قويا ومحبا لذاته وعائلته و فنه وجمهوره حتى مات.

 

و كنت لا أود ان أقوم بإزعاجه،  فاكتفيت بالاقتراب والوقوف بجانبه فى صمت أنظر إليه،  ومازالت لا اصدق انى ارى فنانى المفضل الذى طالما تربيت على اعماله منذ كنت صغيرة، و كنت لا أعلم أبدا أن القدر سيذهب بى لمقابلته فى يوم من الأيام، وأننى سأكتب الان عنه، وأنت تقرأ هذا، حتى لم يكن من المستحيل،  فالمستحيل يمكنك تخيله وتعلم انه مستحيل، لكن لم يخطر الأمر ببالى قط .

 

و استمررت فى الوقوف، واقتربت منه وتحدثت إليه قليلا ” أنا من معجبين حضرتك وبشدة ، وحضرتك وحشتنا بقى وعايزينك ترجع ” . فرد قائلا فى شئ من التعب و الإرهاق، بأسلوبه المهذب المعتاد و صوته الصادق ” الله يخليكى متشكر جدا ، أنا راجع قريب ان شاء الله و بجهز حاجة دلوقتى “.

 

فرحت و تساءلت هل حقا أنا اتحدث إلى نور الشريف ، عبد الغفور البرعى الذى طالما لم أمل أبدا من مشاهدته وأحفظه جيدا عن ظهر قلب ، هل حقا أنا أتحدث إلى المُعلم المثالى عبد الحميد دراز فى حضرة المتهم أبى ، قمت بالتصوير معه، و لكن بهدوء شديد حتى لا أقطع عليه جلوسه و كلما شاهدت الصورة شعرت بالفرحة و الفخر الذى أعجز عن وصفهم مهما تحدثت .

 

2014

عندما كرم المهرجان الفنان نور الشريف  العام الماضى، وقد كان عنوان الدورة باسمه، صعد الفنان على خشبة المسرح لتحية جمهوره الكبير و الذى يجعلك تقف متأملا أمامه .

 

ظل التصفيق الحاد له يملأ كل أركان القاعة، دون توقف، و كنت انا ايضا لا أريد ان أتوقف، و ظل الجميع يصفق و يصفق و بحماس و حب شديد و مع هذا التصفيق و التهليل و عبارات الحب  التى كانت تنهال عليه كالورود، التى كان من ابرزها بنحبك يا نور، فكانت لحظة مؤثرة للغاية.

 

وقف نور صامتا مبتسما سعيد فى بداية الأمر، لكنه لم يتوقع ان يستمر التصفيق و التقدير له و الشعور بالحزن من أجله لمدة عشر دقائق تقريبا عبر فيها الناس عن حبهم له، و لم يتحكم فى نفسه فنزلت دموعه، ووقف وألقى كلمة هامة عن الحي الذى تربى فيه حى السيدة زينب وعن سينما الحى وعن عدم حب السلطة دائما للثقافة، وكأنه يثق بأنه يودع الجميع.

 

وعند ندوة تكريمه بكى ايضا جميع الحاضرين و بكى معهم و انصرفت، و كلي تساؤل ماذا فعل نور الشريف كى يصل إلى تلك المكانة  الرفيعة فى قلوب كل هؤلاء الناس؟ وماذا فعل لكى يحافظ على هذا النجاح والعطاء وضمان وجوده وتذكر الجميع  له لسنوات عديدة من التفوق السينمائى والتليفزيونى؟

 

لقد أحترم نور الشريف جمهوره وعشق فنه فعشقه وعشقه الناس وأصبح واحدا منهم وقريبا من عقولهم ووجدانهم وكانت واحدة من أمتع اللحظات  التى شهدتها .

 

2015

تكرر ذات المشهد  هذا العام فى دورة المهرجان الحادية و الثلاثين  فى حفل الافتتاح و بمجرد ذكر اسمه  كان التصفيق له ايضا كبيرا ، فالجميع يفتقده بشدة، وفى الحقيقة اريد التعبير عن شكرى للمهرجان لتقديرهم لقيمة هذا النجم المتميز ففى هذا العام حيث قامت الادارة بعمل مسابقة خاصة تحمل اسم الفنان الراحل، وجائزة نور الشريف والتى يبلغ قدرها 50 الف جنيه كما تم تكريمه ايضا، واقامة ندوة خاصة له و مهما بلغ حجم التكريم فهو أقل مما يستحق  .

 

لم تكمن فقط نجومينه فى اجتهاده وتفوقه، فعلى الرغم من انه كان من أوائل دفعته فى معهد الفنون المسرحية، وبتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف كان أيضا لموهبته حظ كبير؛ فكانت بدايته مع سعد اردش و معرفته بعادل إمام، وأول أعماله فى فيلم قصر الشوق ضمن ثلاثية الأديب العالمى نجيب محفوظ، ولم يكن كل هذا وليد الصدفة، بل القدر الذى منحه الله اياه، ان يولد نجما موهوبا.

.

لعبت موهبته دورا كبيرا، و تلقائيته واداؤه الذى وصفه الكثيرين بالسهل الممتنع دورا رئيسيا، و لم يغفل لحظة عن الاستمرار فى المذاكرة و العمل و التعلم كل يوم فكان ُمعلما و تلميذا فى ان واحد.

 

لم يكن ايضا نور الشريف مجرد فنان و بصمة  رئيسية فى تاريخ المسرح العربى و السينما و الدراما المصرية و العربية، لكنه كان ايضا فنانا مثقفا و كان عاشقا للقراءة، و عندما تشاهد لقاءاته التليفزيونية و تستمع الى الاذاعية منها ستدمنها، وتدمن كاريزمته الشيقة فى الحديث، ودائما اشعر انه لا تنتهى رغبتى فى مشاهدته او الاستماع له، فكنت فى كل لقاء اجد شيئا جديدا وهذا على غير العادة؛ فالكثير من الفنانين نجد لهم عشرات الاحاديث المملة و المتشابهة .

 

لم تقتصر ثقافته فقط على مجال موهبته وعمله، لكنه كان يقرأ فى كل شيء، و يعلم عن كل شئ، كان يتميز بحكمته فى الحكم على المواقف و كان ذا رؤية عميقة  لكل مجريات الأمور فى الفن و خارجه، كان عاشقا لوطنه، وكان مهموما بقضاياه دائما، فأطلقوا عليه  الموسوعة الثقافية، وبالفعل عند سؤاله عن أى شئ من المستحيل ألا تجد اجابة له اجابة عنده، فكل جانب من جوانب الحياة  كان له فيه فلسفته الخاصة .

 

تميز نور الشريف ايضا بعشقه للفن، وهو الذي وهب حياته له منذ أن قرر العمل فيه و حتى وفاته، و لم يبخل بأى شئ عنه  فذكر أشرف زكى نقيب الممثلين ان الفنان الراحل كان يتكفل بمصاريف طلاب المعهد الغير قادرين على دفع رسوم الدراسة، وكان يطلب منه أخذ الظرف المالى الذى كان يحرص عليه باستمرار حتى لا يمنع احدا  من استكمال مسيرته  أو يرى أنه لا يشارك فى مولد براعم جديدة لهذا الفن. كان هذا الرجل مخلصا لفنه بحق، فى كل جوانبه كان يقرأ كثيرا عنه، و يتحدث عنه ويعمل باستمرار و مثابرة حتى فى مرضه.

 

لم أبدا يبخل على جمهوره، وأطل علينا بآخر اعماله بتوقيت القاهرة، كان لا يعترف باليأس و لاخر يوم كان مؤمنا بذلك ، و شهد له كل من حوله من زملائه و تلامذته بإخلاصه الشديد ايضا، لم يكن مجرد فنان يساعد المواهب الجديدة، بل كان نور الشريف يتبنى المواهب ، و كل عام كان يخرج لنا وجها جديدا، فهو من صنع أحمد زاهر وحسن الرداد وخالد صفوتو وايتن عامر واحمد رزق وعمرو يوسف وايمان العاصى ومحمد رياض و غيرهم الكثيرين .

 

تتمثل قيمته ايضا فى انه من القليل ان يجتمع بنجم واحد عدة صفات كالثقافة و التواضع و حب الجميع و مد يد العون لهم و عشقه لعمله ، لذلك أصبح نور الشريف، واذا كان النجم الأسمر أحمد زكى هو رائد مدرسة التقمص فإن نور الشريف رائد مدرسة التلقائية العميقة، ان جاز لى التعبير، فعندما نتأمل ادواره نجد انه كان لا يفتعل شيئا، كان يمثل بكل طبيعية و بساطة، ومؤكد أن هذا واحد من اسرار نجاحهK و كان فنانا ذكيا بالقدر الكافى الذى جعله يتمكن من الفصل التام بين كل منها، وبالنسبة لك انت كمشاهد من المستحيل ان تقع فى هذه الحيرة ففى العار كان تاجر المخدرات و الأخ الأكبر “كمال ” الذى أتقن فيه ببراعة موت الضمير، وسر أبيه عندما علم بما يفعله وهو واحد من اهم افلام السينما المصرية، و اذا قفزنا الى الكرنك سنجد دور الشاب الجامعى الذى يلقى التعذيب داخل المعتقلات السياسية فى ذلك التوقيت من حكم جمال عبد الناصر و هنا تظهر القدرة و الموهبة على اعطاء كل المجهودات الفنية فى ابراز التناقض بين الدورين.

 

فى الالفية الجيدة كان ايضا نور الشريف صاحب المكان المحجوز و الذى يصعب ملؤه بممثل اخر؛ فهو فنان لكل الازمنة و لكل الاجيال فكانت واحدة من اجمل ادواره  “جابر عميش ” فى فيلم دم الغزال و الحاج عزام  فى عمارة يعوقبيان ماسح الأحذية الذى أصبح عضوا بالبرلمان، و فى هذا الدور تحديدا كان متألقا فى أدائه  فكيف لك ان تكره نور الشريف عند اكتشاف مدى نفوذه و مساوئه السياسية  وانتهازيته ، على الرغم من مئات  الأدوار التى لعبها بين السينما و التليفزيون، لكن لا تجد تشابها بين تلك الادوار، كان يبحث فى كل مرة عن شئ جديد فى الشخصية التى يقدمها لذلك كنا نستمتع بتمثيله .

 

قدم ما يقرب من 120 فيلم، منها الكثير ما هو من ضمن ذاكرة السينما، ابرزها شحاتة ابو كفن دائرة الانتقام، كتيبة الاعدام، غريب فى بيتى، حبيبى دائما، عيش الغراب، كلام فى الممنوع، ليلة ساخنة، والعديد و العديد من روائعه .

 

أما عن أعماله التليفزيونية فربما كان من أوائل من تألق بعمل تيمة العائلة، مع الكاتب مصطفى محرم، وكان لا يمضى رمضان الا وننتظر بشغف ماذا سيقدم نور هذا العام، ومنذ طفولتى وانا متابعة جيدة له، ولأعماله التى اضافت كثيرا و تعلمنا منها ايضا فكان ذا فن راق و رسالة و قيم، و ليس ابداعا فقط.

 

كان من اعظم تلك الملحمات الفنية: لن اعيش فى جلباب ابى، عندما عشنا معه قصة كفاحه و صعوده من صبى الحاج الى الحاج عبد الغفور مالك محلات الخردة، و عندما شاركته القديرة عبلة كامل واعتقد انه لا يوجد اسرة عربية  لم تحب وتتعلق بهذا المسلسل تحديدا.

 

ايضا من العلامات الفنية الجميلة عائلة الحاج متولى الذى كان من اوائل الاعمال التى تفتح باب الجدل داخل المجتمع المصرى فى قضية تعدد الزوجات، طرحها بخفة ظل وبساطة فى تعدديته الفنية مع الفنانات ماجدة زكى و غادة عبد الرازق و سمية الخشاب، وبعد سنوات عديدة وجدنا خروجه من هذه المنطقة الى مناطق اخرى متنوعة.

 

كان من اهم محطاته فيها مسلسل الدالى بأجزائه الشهيرة والذى قيل فى ذلك الوقت  انه يمثل شخصية رجل الاعمال عثمان احمد عثمان، و لا يعنينى ذلك بقدر براعته فى هذا المسلسل الذى ايضا حقق نجاحا ساحقا ان ذاك فى تجسيدة لامبراطورية الدالى بكل ما يختبئ ورائها من صراعات الأقارب بين الحب و الكره و المصلحة و المال و النفوذ و دور زوجته الفنانة  “سوسن بدر” التى ساندته فى مشواره مرورا بجميع مراحل المسلسل تحولا و اختلافا .

 

جاء من بعدها مسلسلات هامة من بينها الرحايا و الذى لعب فيه دور الصعيدى بتميز عال ومسلسل خلف الله، ولا استطيع ان اغفل حضرة المتهم ابى، او عبد الحميد دارز الُمُعلم صاحب المبادئ و القيم، الذى يصدم بتغيير الواقع و معاناته و ابناؤه فى الحصول على ابسط حقوقهم عندما تعرضوا للظلم  مجسدا، ذلك الصراع بين التمسك بمبادئه او بيعها لانقاذ عائلته و ابنه ، وان كان نور الشريف قد اضحكنا كثيرا فى لن اعيش فى جلباب ابى و عائلة الحاج متولى فهو ابكانا كثيرا فى هذا العمل ، قدم ايضا مسلسل الرجل الاخر وهارون الرشيد و عمر عبد العزيز الذى اعترف أنه يعتبره من أهم أعماله الدرامية .

 

يبدو انه من الصعب ان نحصر تاريخه الفنى فى بعض الاعمال او محاولة الحديث عنها، لكن لم أر لفنان كهذا الكم من الحب و النجاح والشعبية كما رأيتها فى نور الشريف، لأنه ايضا كان انسانا رائعا، وكان يتعامل مع المواقف بهدوء شديد، فعندما تعرض للشائعة السخيفة التى طالته فى الحكم السابق لمبارك كان راقيا فى رده وعلى الرغم من حزنه لذلك، إلا أنه أيضا امتثل للقضاء حتى يرد شرفه واعتباره و لم يتطاول حينئذ على احد.

 

كل ما ذكرناه و تحدثنا عنه من لمحة سريعة فى حياة هذا الفنان تؤكد لنا كيف تربت ابنتاه عندما وقفت ابنته مى  تتلقى العزاء فى والدها فى سرادق العزاء الخاص بالرجال و لفت هذا المشهد انتباه الكثيرين

 

لم تكف الكلمات بحق فى الحديث عنه  رحم الله الغائب الحاضر الذى مازال بيننا و سيستمر بفنه الذى لن ينتهى و استاذيته العظيمة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد