«نوكيا» تلك الشركة العملاقة التى ظلت تحتكر صدارة صناعة أجهزة الهاتف النقال فى العالم لما يقرب من عشرين عاما، فرضت خلالها نفسها فى أكثر من 150 دولة حول العالم، محققة أرباحا سنوية تتعدى الـ30 مليار دولار، وحتى عام 2007م كانت تسيطر بمفردها على 40% من مبيعات الهواتف النقالة حول العالم، إنها إمبراطورية عملاقة تجاوز دخلها دخل دولة مصر بكاملها، وفجأة! انهارت نوكيا!

هوت قيمتها السوقية من 128 مليار دولار إلى 8 مليار دولار، في مؤتمر صحفى تخيم عليه أجواء الحزن والأسى أعلن «ستيفن إيلوب» المدير التنفيذى لنوكيا، وهو يذرف الدموع لموت نوكيا وبيعها إلى ميكروسوف مقابل 5.4 مليار يورو، ومع موت ذلك العملاق نوكيا بزغ نجم عملاق آخر!

ألا وهو آبل بعد أن كاد يحتضر خلال سنواته السابقة، ولكنه قاوم واجتهد وصارع، وانتصر، حتى حققت آبل مبيعات تقدر بـ 233 مليار دولار خلال 2015م، وبلغت قيمتها السوقية 740 مليار دولار.

ترى كيف انهارت نوكيا، وكيف ارتقت آبل؟ السر يكمن فى كلمة واحدة: «الإبداع»! ظلت نوكيا متمسكة بنظام التشغيل ويندوز، رافضة أي تطوير، وعلى الرغم من أن مراكز أبحاثها – التي يعمل بها آلاف العلماء من مختلف أنحاء العالم – قد أمدت إدارة الشركة بخطط وأفكار وابتكارات طموحة، إلا أن «ستيفين إيلوب» ومجلس إدارته رفضوا كل تلك الخطط، وتمسكوا بكل ما هو تقليدي، لقد وصلت أبحاث نوكيا مستويات متميزة للغاية تجاوزت ابتكارات وأبحاث «آبل»، إلا أن الفكر العقيم لإدارة نوكيا، ورفضها الدائم للإبداع جعل نوكيا تنزف باستمرار فاقدة تدريجيا حصتها في السوق العالمية، واستمر النزيف، ومازلت نفس الإدارة متمسكة بنفس نهجها النمطي رافضة أية محاولة للتطوير والإبداع، حتى انهارت نوكيا تماما.

وعلى الجانب الآخر تبنت «آبل» أبحاث فريق علمائها، وأخذت تطور هاتفها آي فون، وتتلافى عيوبه تدريجيا، وتفسح المجال لكل عقل مبدع، حتى ارتقت مبيعات آبل لتحل في المركز الأول عالميا بمبيعات خرافية، وقيمة سوقية خيالية، على الرغم من أنها منذ سنوات قلائل كانت تعاني من انهيار وشيك وضعف شديد فى الأرباح، إذن فالفارق هو تبني الإبداع، وتوفير كل سبل الدعم له.

لننتقل سريعا إلى واقعنا المصري، وبالتحديد إلى ذلك الحزب المثير دائما للجدل، صاحب مئات الآلاف من الأعضاء، وملايين المحبيين، الذي يمثل دائما أزمة لكل الأطراف، سواء داعش أو الشيعة أو الإخوان أو العلمانيين أو مؤسسات الدولة العميقة!

برز نجم حزب النور فى انتخابات 2012م، وحل في المركز الثاني بعد أن كان قريبا من المركز الأول، لولا المقاعد الفردية – على الرغم من حداثته، مقارنة بمنافسيه السياسيين الذين تجاوزت أعمار مؤسساتهم السياسية الثمانين عاما – ثم توالت الأحداث، وفقد الإسلاميون كثيرا من شعبيتهم؛ بسبب فترة حكم الإخوان، والحملة الإعلامية الشرسة التى قادها الإعلام ضد الإسلاميين بمختلف توجهاتهم، قبل أن يتفرغ لحزب النور في انتخابات مجلس النواب الأخيرة، مما أسفر عن فقدان الحزب السلفي كثيرا من مقاعده، خاصة مع نظام الانتخاب الجائر، الذي قد يكون قد وضع خصيصا لإقصاء النور من مجلس النواب على قدر المستطاع.

وهنا يبرز السؤال: وماذا بعد؟ ما هو مستقبل حزب النور؟ أيعود لسابق عهده لينافس بقوة على قمة الجبل السياسي المصري أم يستسلم لما حل به فى الانتخابات الأخيرة، ولحالة الإحباط التي تدب وسط صفوف المصريين عامة، وصفوف أبناء الحزب خاصة؟

أعتقد أن بقاء النور من عدمه يعتمد على عاملين أساسين، بعد توفيق الله عز وجل:

أولهما: تمسكه بمنهجه الإصلاحي، وعدم إنجراف أبنائه نحو المناهج المنحرفة، مهما بلغت الضغوط عليهم، وثقتهم بنصر الله وتأييده لقضيتهم. ثانيهما: الإبداع، لابد للحزب من الخروج من قالب النمطية الذي يطغي على كل الأحزاب السياسية حاليا، لا مفر من أن يستثمر طاقاته البشرية العملاقة، وعقول أبنائه المبدعة لتطوير أدائه السياسي والاقتراب أكثر من مشاكل وهموم الشعب المصري، أرى بين أبناء الحزب العديد من العقول النابغة والأذهان المتقدة المبدعة، لكن تلك العقول تحتاج للتبني والتشجيع والدعم من قبل قيادات الحزب، خاصة وأبناء الدعوة السلفية عامة.

لابد أن يدرك قيادات الحزب وكوادره أن البقاء في هذا العصر ليس للأقوى عسكريا، ولا الأغنى ماديا، وإنما للأكثر إبداعا، المجتمعات والمؤسسات التى تتبنى الإبداع، و تفكر خارج الصندوق هي التي تحيا وتنهض و تسمو كما فعلت آبل، أما المؤسسات التى تقتل الإبداع أو حتى لا تتبناه فتموت سريعا معه، لابد لحزب النور إن أراد أن يعود للقمة – لنصرة قضيته – أن يسارع في سد الثغرات، وأن يجدد في وسائله، وأن ينفض الغبار من على العقول، ويسمح للأفكار الخلاقة أن تتصدر، كافلا لها القدر المناسب من الدعم بكافة صوره.

ترى أينهار حزب النور كما انهارت نوكيا أم يرتقى للقمة كما فعلت آبل؟ هذا ما ستجيب عنه الشهور والسنوات القليلة القادمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد