أتعرف ما الذي تعنيه كلمة رواية حقيقية ؟ إنها تسأل السؤال الحقيقي الدائم : لماذا نفعل ذلك بأنفسنا ؟ لماذا نعذب أنفسنا بأيدينا ؟ عندما بدأت قراءة الحب في المنفى كان لدي العديد من التوقعات و الآمال لهذه الرواية؛ لما قرأته عنها، ولكن ما وجدته في هذه الرواية فاق كل توقعاتي, ففي نهايتها وجدت نفسي حائرا أبحث عن إجابات وأطرح أسئلة لهذا العالم الغريب. فالراوية ما هي إلا تجسيد لكل صراع داخلي أو خارجي يمر بنا، ولكن بهاء طاهر استطاع أن يجسد هذا الصراع في ملحمة خالدة وفريدة.

 

 

فكم تمنيت أن اكون هذا الصحفي وأعايش كل ما مر به من لحظات يأس و زهو, تمنيت أن أكون أنا من يقرأ الشعر لبريجيت ـ إحدى الشخصيات ـ وأستمع لها وهي تحكي عن حياتها السابقه.

 
شعرت بكل الحزن الممكن عندما استمعت لقصة بيدرو, ولكني عندما أنهيت الرواية أو عندما انتهت هي مني ـ بعد أن التهمت روحي و مشاعري لعدة أيام ـ و جدت أني أعيش كل هذا في حياتي بصورة مختلفة.

 

 

بالطبع أنا لست صحفيا ولا بائس ـ حاليا علي الأقل ـ و لكني وجدت الصراع نفسه في حياتي وأظن أنه موجود في حياتنا كلنا, فهو صراع بين الحياة و الموت بكل ما بينهما من معارك و منازعات، والرغبة الدائمة داخلنا في الوصول للسلام الذي نبحث عنه طوال رحلتنا في الحياة، ونموت أملا في إيجاده.

 

 

في حوار داخل الصحفي يقول لنفسه :

“إن كنت أجهل نفسي فكيف أحكم على الناس؟ و لكنه يسألني عن السبب. يقول رجل آخر وامرأة أخرى؟ لكَم كانت الأمور تصبح سهلة و مفهومة! تقول بحث عن الكمال ؟ ولكننا عشنا معا سنين طويلة وقبلنا الحياة كما هي. لم نتوقع منها أن تعطينا ما نعجز عنه. و مع ذلك فإن النهاية في ذهني ضباب كامل. ألغام تنفجر في الظلام”.

 

و بعد ذلك وجدت رواية ( النحت في صخور الألماس ) لميسرة الهادي و لم يكن عندي أية معرفة أو تكهنات بما في داخلها، ولكني مع الوقت وجدت أني أقرأ الحب في المنفي مرة أخري ربما بشخصيات مختلفة وأحداث مختلفة، لكني وجدت نفس البؤس ونفس المعاناة وأكد شعوري هذا ذكر الكاتب بنفسه على لسان البطل أن ما يعانيه يذكره برواية قرأها، هي: (الحب في المنفى) عندما حدثت بعض المواقف المشابهه لما حدث للصحفي في الرواية الأولى .

 

تحكي الرواية عن هذا الشاب الطموح الذي أصيب بلعنة الحيرة و الندم فقرر السفر لعله يهرب من كل هذا , و لكن في سفره هذا تذكير بكل شيء، ومصاعب لم يكن له علم بها .

 

تعرض للخيانة ووجد الحب وفقده ـ أم أن الحب هو الذي تخلى عنه؟  حاول التمسك بمبادئه و أفكاره فنجح تارة و فشل تارة أخري , فهو يمثلنا جميعا في حياتنا وسقطاتنا.

 

الروايتان متشابهتان كثيرا ومختلفتان في الكثير أيضا: فكلتاهما تتميز بأسلوب أدبي رائع وصراحة مبهرة وأحيانا كثيرة صادمة, والصراع النفسي لكل الشخصيات صراع فريد ولكنه واقعي.

 

و كذلك الأحداث فكلتا الروايتين أحداثهما تدور في الخارج مع شخصيات معظمها أجنبية، وأصل الصراع للشخصيات عموما و البطلين بشكل خاص نشأ في الماضي عندما كانا في وطنهما, فالاثنان هاربان  من مواجهة إلي مصير مجهول وإلي مواجهات أخرى .

 

التشابك السياسي في الروايتين مترابط رغم أن كلا من البطلين يأتي من حقبة سياسية مختلفة ووضع اجتماعي مختلف, لكننا نرى تقريبا نفس المعاناة من الفساد السياسي والظلم.

 

تسود الروايتين الرغبة في الخلاص والتطهر وتقبل النفس ونسيان الماضي بكل ما به من أخطاء, فهذا هو المحرك لكثير من الشخصيات الذي يدفعهم أحيانا كثيرة الندم؛ لكي يعيدوا البناء الذاتي لأرواحهم، ولكن كثيرا منهم يفشل فيكون الموت ـ بأنواعه ـ هو الخلاص الوحيد .
الروايتان مكملتان لبعضهما رغم كل شئ , بؤسك وحزنك لن يكتمل إلا بقراءتهما معا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد