موجة كبيرة وانتشار واسع للرواية الآن في الوسط الثقافي، وتعددت الآراء حول هذا الموضوع بجوانبة المختلفة، بين مؤيد ومعارض لقراءة الروايات فمن يجدها إثراء للأدب ومن يجدها إسفاف ومضيعة للوقت، وبعد الاطلاع على عدة مقالات وسؤال بعض القراء توصلت إلى بعض النقاط التي تجمعت حولها معظم الآراء سلبًا وإيجابًا حول فوائدها وضررها.

فمن الإيجابيات التي يراها بعضهم في قراءة الروايات:

أنها تخلق حالة من المتعة والتشويق لدى القارئ والتي من الممكن استثمارها في أن تكون مدخلاً لتشجيع كثيرين على القراءة بشكل عام.

إن الرواية تعرض لنا خبرات وتجارب الآخرين التي يجب علينا الاستفادة منها، وتحتفظ أيضًا بتراث الشعوب وثقافتها وكأنها بمثابة تذكرة سفر مجانية لزيارة أماكن أخرى.

تساهم الرواية بشكل كبير في نمو الخيال والعاطفة، بجانب أنها تقلل من حالة القلق والإرهاق من الضغوط اليومية، وأيضًا تساهم في نمو ملكة التعبير وتحسين المصطلحات اللغوية للقارئ، إلى جانب أنها وسيلة جيدة لتعليم بعض اللغات الأجنبية أو تعليم الكتابة.

وتنتهي كل هذه الآراء في مجملها إلى أنه ليس هناك مادة مكتوبة إلا ويستطيع القارئ أن يخرج منها بفائدة حتى وإن كانت هذه الفائدة ألا يقرأ لهذا الكاتب مرة أخرى استشهادًا بمقولة “ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئًا جديدًا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئًا جديدًا هو ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون  عباس العقاد

وحينما نلتفت إلى الأصوات التي تعارض قراءة الروايات نجد أغلبها لا يعارض قراءة الروايات في حد ذاتها، ولكنها ضد الإفراط والانغماس في قراءتها، لما لذلك من تأثير سلبي ومنه:

أنها لا تبني إنسانًا واعيًا مثقفـًا ولا تساهم في البناء العقلي والفكري للقارئ، لما تحتويه من أشتات من المعارف، ولأن أغلبها مبني على الخيال، أنها تقف حائلاً بين القارئ وبين باقي الكتب العلمية المتخصصة لأن القارئ استسهل تلقي المعلومات فأصبح من الصعب عليه بذل مجهود ذهني في قراءة الكتب العلمية وتحصيل العلم الذي يحتاج إلى بذل مجهود ذهني.

يلجأ بعض الناس إلى قراءة الروايات والعيش في خيالها هروبًا من واقعهم لضعف قدرتهم على مواجهة الواقع أو لتعويض نقص عاطفي أو نفسي بداخلهم.

أو العكس اصطدام كثير من القراء بالواقع بعد قراءة الروايات التي يكون غالبيتها ذات طابع رومانسي حالم مما يؤدي إلى حالة اصطدام بالواقع ينتج عنها أزمات نفسية وسخط يؤدي إلى العزلة بدلاً من البحث عن التغيير.

يقول بعضهم إنها علم لا ينفع وجهل لا يضر فما الفائدة من تضييع الوقت في قرائة رواية لا يخرجون منها بفائدة واحدة فيقرأون إسفافـًا وألفاظـًا عامية ساقطة لا يجب أن تقال لشخص آخر لا لآلاف القراء!

ويستشهد بذلك إلى تردي الذوق العام للقراء، وابتذال موهبة الكتابة لتجرأ كثيرين غير مؤهلين ولا يمتلكون موهبة الكتابة، واستغلال دور النشر لذلك على أحسن ما يكون للربح المادي، دون الاهتمام بالمحتوى، مما أدى ذلك إلى تردي المحتوى الأدبي وإهمال اللغة العربية الفصحى والترويج للعامية الركيكة، وأصبحت الروايات تفترش الأرصفة أكثر من الجرائد! وأتذكر هنا نقد الرافعي في كتابه “على السفود” هي صنيعة جرائد، ومغفلين من الكتاب لمغفلين من القراء”

دعونا نستخلص الفائدة سويًا مما ذكرناه على ألسنة بعض القراء وأسطر بعض المقالات:

لا بديل للكتب العلمية والفكرية المتخصصة بالروايات، ولا بديل للروايات بالكتب العلمية، فالإنسان في حاجة إلى هذا وذاك، في احتياج إلى القراءة المتخصصة في الكتب العلمية والفكرية التي تؤسس وعيه وإدراكه بشتى العلوم المختلفة والمتنوعة والتي تساهم في البناء العقلي والفكري له، الكتب العلمية البحتة المجردة في قالب جامد لأنها تحتوي على الحقائق الدقيقة، وفي حاجة إلى قراءة الروايات التي تفك له جمود السرد وتغوص به في عالم من الخيال، والتي تغطي الجوانب الإنسانية والحياة اليومية أيضًا التي لا يمكن صبها في قالب جامد.

ويكمن الحل في التوازن، وهنا أتذكر كلمة الدكتور راغب السرجاني في كتيبه البسيط الرائع “القراءة منهج حياة” الذي قال فيه: “المسلم إنسان متوازن، يحتاج إلى القراءة في أمور كثيرة حتى يبقى متوازنًا، والإسلام له دور في كل نقطة من نقاط حياتنا.”

هذا التوازن بمعنى الشمولية في قراءتك تؤسسك لإنسان مثقف واعي بشتى العلوم، فأسوأ شيء للقارئ هو أن يجعل قراءته كلها في جانب واحد دون أن يمر على باقي الجوانب، ونذكر هنا المثل المعروف “اعرف شيئًا عن كل شيء واعرف كل شيء عن شيء”

وهنا يأتي دور تحديد الأولويات في قراءتك فأول ما تقرأ فيه هو مجال تخصصك، فما أحوج الأمة الآن إلى المتخصصين، وأذكر هنا نصيحة أحد علماء الإدارة الدكتور طارق سويدان حيث قال: “إذا كنت تقرأ ثلاثة كتب في الشهر فاجعل اثنين منهم في مجالك”، ولا تنس أن تمر على باقي العلوم التي أولاها لك هي العلوم الشرعية، ومن ثم التاريخ والفلسفة والفنون والروايات.. إلخ.

هكذا نكون تعرفنا على وجهات النظر المختلفة، واستخلصنا منها العبرة حتى نستفيد من قراءتنا ونستثمرها أينما استثمار؛ فيجب علينا دومًا أن نتخير ما نقرأ، ونقرأ لمن يحترم عقلنا ووقتنا.

ونختم بقول المفكر الكبير الدكتور عبد الكريم بكار:

“إن مكاسبنا من وراء كتب تعطي معلومات كمكاسب شخص امتلك قطعة ذهبية، أما مكاسبنا من وراء كتب تحسن الوضع الفكري لدينا فهي مثل مكاسب من أعطي مفتاح منجم من الذهب” 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأدب, الرواية
عرض التعليقات
تحميل المزيد