كان الأدب وما تزال الأداة الأكثر فعالية في وصف الواقع بشكل دقيق وحقيقي، فالأديب ينفلت من الرقابة التي قد يخضع لها المؤرخ أو المفكر، ويمرر رسائله بين السطور ويفتح الباب بمصراعيه للتأويل المحتمل، لسنا هنا لنبين أهمية الأدب ودوره الأساسي في بناء القيم الاجتماعية، بالرغم من أنه ما يزال بعض السذج يتساءل عما يقدمه الأدب في زمن العلم، فيما تنفعنا قصص خيالية في عصر التقنية الصارمة، قد تكون الأعمال التي تنتج اليوم ضعيفة لا يجيد كتابها، إلا صياغة النص دون روح (فلسفة، سياسة…)، لكن يكفي هنا أن نسألهم، هل اطلعتم على مسرحيات وروايات ساتر، والتي تعد تجسيدًا للفلسفة الوجودية، وتعبيرًا لبنائها المفاهيمي الخاص؟ هل يمكنكم إنكار أن عمق فلسفة العبث كانت مع الإيرلندي صامويل بيكيت، وروايات البير كامو؟ هل تعرفون حجم الثورة التي خلقتها روايات فيكتور هيجو في فرنسا في حديثه عن القيم الإنسانية، أو الثورية في أعمال تولوستوي، أو النفسية لدى دوستويفسكي والروحية لدى موراكامي في اليابان، وجورج أوريل في بريطاني، وحتى في العالم العربي، كأعمال حيدر حيدر، ومنيف ونجيب محفوظ، وحنا مينه، هذه الأعمال التي عالجت معظم مشاكل الإنسان في بعده الوجودي ببراعة، لكونها لامست قضايا إنسانية بتمثيل واقعي دقيق، وأفضل ما يمكننا استحضاره هو رواية الجريمة والعقاب، وكيف قام دوستويفسكي بتصوير عناصر الجريمة وتفاصيلها الدقيقة، وكأنه ارتكبها بالفعل من قبل، رسم الأزقة والأمكنة بفرشاة سردية محكمة، لكن ماذا عن الأعمال التي تجعلك تنفصل عن العالم مع شخصيات لا وجود لها، وأحداثًا غريبة للغاية، بعيدًا هنا عن الروايات الفانتازية التي صنعت بدورها أعمال خالدة، بل الأعمال التي تسعى لفهم الواقع انطلاقًا من حدث مفارق يتحكم في تطور أحداث الرواية؛ مما يدفعك لإتمام القراءة بحثًا عن حل عقلاني في النهاية، لكن دون أن يتحقق المراد.

بعد قراءتك لرواية كافكا تتساءل، ما الغاية من أن تنام لتستيقظ صباحًا وتجد نفسك قد تحولت إلى حشرة، قد يبدو حدثًا فانتازيا؛ لكونه لم يسرد لنا الأسباب التي أدت لذاك التحول، يرغمك فقط أن تراه حدثا عاديا قد يصيب أي شخص، ومختلف الأحداث التي ستأتي على طول الرواية تتخذ منهجًا واقعيًا، بالرغم من أن هيئته الجسدية وحاجاته البيولوجية كانت حاجات حشرة، دون أن ينسلخ من ماهيته الإنسانية التي تتمثل في التفكير في حل لوضعيته الجديدة وشعوره بالحزن والدونية، هذا المفارق الذي صاغه كافكا هنا كان المقصد منه هو رصد التحول الذي يلحق بالمجتمع الإنساني بمجرد أن يصبح دون فائدة ترجى، يصبح في نظر الآخرين مجرد حشرة مثيرة للقرف، ليترك لنا الإجابة على السؤال الأعمق، هل ما يحدد ماهيته هو جسد الحشرة التي أصبح عليها، أم أن تفكيره وشعوره يكفل ماهيته الإنسانية مهما لحق جسده من تغيير؟ فرمزية المفارق هنا دلالة على المعايير التي من شأنها أن تحافظ على إنسانيتنا أو نصبح بدونها مجرد حشرات.

وماذا يعني أن يستيقظ كوفاليوف ليجد أنفه قد اختفى، يفكر في طريقة لاسترجاعها لكن حتى بعد أن يأتي به ضابط الشرطة يعجز عن إرجاعه لمكانه كما كان ليستيقظ مرة أخرى، ويجد أن أنفه عاد لمكانه، هذا الحدث السريالي المضحك قد يبدو فارغ المعنى، أو كما يقول ميرسكي في كتابه تاريخ الأدب الروسي «الأنف مجرد قطعة مسرحية، مجرد هراء تقريبًا، ومع ذلك فإنها تكشف أكثر من أي عمل آخر قوة غوغول السحرية لخلق فن هزلي غير اعتيادي من لا شيء» هي كذلك قصة موغلة في الرمزية، أبرزها أن حتى الأشياء البسيطة التي نمتلكها، ونتعود عليها نصبح بفقدانها عاجزين عن الحياة، ذلك الشيء الذي لم تكف يومًا عن رؤيته عاديًا لكي تفرغ وتتأمله وتكتشف الغرابة فيه.

ماذا يعني كذلك أن تقود سيارتك في يوم مشمس جميل ليحل بك العمى فجأة وسط الشارع مسببًا بذلك في أزمة طرقية، وينتشر هذا العمى بين جميع سكان المدينة دون أن يُعرف السبب في ذلك، هذا الحدث الغريب الذي يبتدئ به ساراماغو روايته يدفعك لإتمام الرواية علّك تجد السبب في هذا الوباء المفاجئ. رواية العمى، خالية من أية أسماء وأماكن واقعية، شخصيات ومدن دون أسماء أيضًا، لكنها استطاعت أن تأسر القارئ لإتمامها، مركزًا بالأساس على الطبيعة البشرية، فالضرورة البيولوجية قد تجعل من الإنسان وحشًا مفترسًا، والعمى هنا، أو كما أسماه العمى الأبيض هو عمى الإنسان تجاه القيم الإنسانية المنشودة، بانتقاده للنظرية التعاقدية التي جاء بها فلاسفة التعاقد الاجتماعي.

أن تستيقظ دون أنف، أو بجسد حشرة، أو مصابًا بالعمى المفاجئ هي بالفعل أحداث غريبة، وهي ترجمة لبعد مهم من أبعاد الحياة المعاصرة التي نعيش فيها، وأيضًا إلى شعور خاص يتولد بداخلنا ونحن نعايش هذه الحياة، وهو الشعور بالغرابة فيها، صحيح أن التفكير العقلاني كان دائمًا في مواجهة كل ما يمكنه أن يقدم تفسيرًا مفارقًا لأحداث الواقع، وهو الرهان الذي أخذته الفلسفة منذ نشأتها في سياق التفكير الأسطوري، والذي يمكن اعتباره أبسط صور التفكير الإنساني، والذي سيعد فيما بعد امتدادًا في التفكير الفلسفي (أساطير أفلاطون) بوسائل مختلفة تتجلى في اللجوء للعقلانية. إلا أن الغرابة شعور عقلاني يتحرك نحو الاستكشاف والفهم والاستيعاب والخروج من تلك الحالة الملتبسة، إنه هنا أشبه بأسلوب معرفي لا يعترف بالحدود، ومن ثم لا يعترف بذلك الجانب من التفكير الذي يحدد معالم تلك الحدود. غياب المنطق إذًا ليس عائقًا أمام الغوص في ماهية الحقيقة، وبدلًا عن أن تتساءل وأنت تقرأ هذا النوع من الأدب، كيف حدث هذا (سؤال العلم)؟ الأجدر هو لماذا حدث هذا (سؤال الوجود، المعنى)؟ وهذا الطرح المفارق هو ما يذكرنا دائمًا بسؤال الوجود ما دام رهانه الأول هو حقيقة البشر والعالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد