كنت محظوظة جدًا أن درست عند أستاذ أحب منيف بطريقة ملفتة، وكان كثير الحديث على أعماله فتتضمنها كل سياقات الحديث. بدعوى الفضول ليس إلا بحثت عنه، وبالضبط عن شرق المتوسط، فتكون بذلك أول صفحات كتابه هذا موعد تعارفنا.

كنت أقرأ كل كلمات الرواية، وكأن منيف يقعد بجواري ويحكي خيبة رجب! رجب الذي بدا وكأنني أعرفه أو يقربني. تورطت بقضيته، نعم نجح منيف في فعل ذلك. أتذكر جيدًا كيف بكيت يوم وفاة أمه وهو بدهاليز السجن الموحشة فيبكيها، ويسألها كيف له أن يقاوم الآن من بعدها؟ كانت هي كل قوته.. كان يحارب ويمني النفس بلقياها بعد خروجه، فما يصبره الآن على التحمل؟

استطاع منيف أن يكون أول من يتحدث عما يقع داخل السجون العربية من تعذيب. لم يحدد المكان بالضبط حتى تكون رسالته شاملة، لا تستثني شبرًا من شرق المتوسط. أسلوبه المبهر في وصف النفس بعد أن يطالها أقسى أنواع التعذيب الذي قد لا يخطر على بال بشر، يجعلني أسائل كل الجلادين: بأي حق تتجردون من إنسانيتكم؟ كان سجينًا سياسيًا، مؤمنًا بقضيته التي وهبها شبابه وسلبته كل جميل، سلبته هدى التي أحبها ليصله نبأ زواجه من آخر. سلبته أمه التي كانت تبكي على فراقه دما، وتحرضه على الأمل فور أن تشعر باليأس يتسرب إليه ويستقر عند طرف العين. بغض النظر عن موقفه السياسي، وحتى إن سلمنا بشرعية التعذيب والترهيب، يبقى التعذيب مراحل ودرجات. مما بقي عالقا بذهني كيف أنهم كانوا يرمون قططا بكيس يشدونه على رأسه، ولكم أن تتصورا بشاعة ما سيحدثه ذلك. مسألة القطط كانت لا تساوي شيئًا أمام باقي أنواع التعذيب الأخرى. فكان يترك في السجن الانفرادي إلى أن يصل إلى أقرب نقطة من الجنون. و غيرها من الأمور التي لا طاقة لي بتذكرها الآن.

النهاية… النهاية لم أتوقعها أبدًا، ولا أريد أن أفوت عليكم قراءة هذا العمل المبهر. فعلًا استطاع منيف أن يسلط الضوء على موضوع السجين السياسي من بعد إنساني محض. فحتى في حديث عابر، نمر على الموضوع بعجالة والكثير من الضباب حوله.

سيتم هذا العمل الروائي لاحقًا، هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى. لمن فاته أن يعرف منيف الروائي فإن روايته هذه أجمل ما قد يعرفك عليه.

أحببت منيف لبساطة أسلوبه. هو من علمني أننا نستطيع أن نجعل الكلمات تقول كل ما وددنا قوله، إن تركنا للإنسان داخلنا أن يكتب بكل حرية وبلا قيد التكلف في الأساليب التعبيرية. وحتى أن المبالغة في تنميق الحرف توقعنا في الابتذال، على عكس الحرف البسيط الراقي الذي لا يخطئ طريقه إلى الفؤاد أبدًا. كان تخصص منيف بعيدًا عن الأدب حيث تخصص في اقتصاديات النفط، ولعل هذا ما ساعده كثيرًا في إنجاح خماسية مدن الملح، التي تصف الحياة بمدن وقرى الجزيرة العربية بعد اكتشاف النفط. في حديث لزوجته سعاد منيف في برنامج الروافد قالت إنه في كل فترات انشغاله بكتابة عمل معين يكتب البيت كله معه، فيبكون لحدث يحزن شخصياته، ويفرحون لفرحهم، فتغدو جزءا منهم. سعاد التي تحمست حماسًا بالغًا حين أخبرها بنيته لاعتزال أي عمل وضيفي ليتفرغ للكتابة، إيمانًا منها بالأدب المبهر الذي خطه منيف. وهي أيضًا التي ستحرص من بعده على جمع أولى القصص التي كتبها في بداياته في (أسماء مستعارة).

اليوم ذكرى رحيلك عنا أيها الرائع، ويحضرني صوتك، وأنت تخبر المذيع بأن القاهرة وبغداد ودمشق من المدن التي تركت فيك شيئًا خفيًا يحرضك على الحنين إليها، كلما طال عليها أن تطأها قدماك، وأود أن أخبرك اليوم أن كلماتك أيضًا فعلت بنا ذات الشيء، فتركت بنفوسنا كل جميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد