عندما أصدر الروائي الشاب جميل فتحي الهمامي روايته الأولى، التي جاءت بعنوان كلاشنكوف، كنت قد طلبت قراءتها لما في العنوان من جاذبية رشيقة. وقد شدّني الأسلوب القائم على البساطة المعقّدة وخاصّة انفتاح المادّة السردية على المادّة الوصفية دون حدود أو بدائل. وبعد أن أصدر روايته الثانية يوم 28 فبراير (فيفري)، أي قبل ثلاثة أيام تبيّن لي دهاء الكاتب في اقتناص العناوين، فهو يطلّ علينا اليوم برواية تحمل عنوانًا مربكًا ألا وهو صُنع في جهنم.

وأنا أخطّ هذه الكلمات تذكرت طرح الناقد المغربي الكبير سعيد يقطين عن مفهوم و«كونسابت» القاتب أي الجمع بين لفظتي القارئ والكاتب. هذا الطرح تجلى لي مليًّا وأنا أقرأ مخطوط رواية صُنع في جهنم، فجميل مكّنني من مشاركته الرواية بالأسلوب نفسه الذي لمسته في رواية كلاشنكوف أي البساطة المعقّدة.

فجميل يعلم جيدًا، وهو الباحث في الحضارة العربية، أنّ الأدب العربي لم يكن كما يدعي البعض أدب متعة وخيال وصنعة فنية فحسب، بل كان إلى ذلك أدب فكر وعقل تشهد على ذلك كثير من المصنفات النثرية ومنها نصوص أدب القرن الرابع للهجرة، وخاصّة أبا حيان التوحيدي في كتابه الشهير الإمتاع والمؤانسة، وقد بلورت هذه الكتابات مقاربة عقلية لقضايا عصره، سواء في مستوى المواقف، أو الغايات الإنسانية، أو أسلوب الكتابة. وجميل قادنا في روايته إلى هذا الواقع، فجهنّم التي يتحدّث عنها ليست جهنّم التي حدثتنا عنها الكتب السماوية بنصوصها المقدّسة عن عقاب يوم القيامة، بل جهنّم الدنيا وجهنّم هذا العالم. لقد تحدّث الكاتب عن فلسفة الديستوبيا الإنسانية، وملحمة الفناء، وسياسة الدمار الشامل، حيث الحروب والإرهاب والفقر والجوع والقتل والتشريد… إلخ، أليس هذا ما نراه اليوم في العراق وسوريا وفلسطين واليمن ومصر وأفريقيا؟

لم يكن الواقع الاجتماعي في هذه الرواية ليختلف عن نظيره السياسي لما بينهما من علاقة جدلية قائمة. فقد اتسم الواقعان بالتدهور، وقارئ هذه الرواية يقف على ما رصده الكاتب من مظاهر الخلل، لعل أبرزها ما ذكره من استفحال الهوة الطبقية بين الأرستقراطية والبورجوازية كطبقة سياسية غنية بعيدًا عن التنظير التاريخي وعامة الشعب. وقد كشف جميل ما كانت تعانيه العامة في الواقع العربي من ضرائب مجحفة، وما تقاسيه من احتكار قلة قليلة للمال السياسي، وما انجرّ عنه من غلاء المعيشة، فضلًا عما تلقاه من تسلط الحكام والطبقة الحاكمة عمومًا. فتكلم بلسانهم في القرية التي هرب إليها البطل، وقد تعمّد جميل إخفاء اسم البطل أو لنقل تركه بلا اسم لأنّه ببساطة يرمز إلى الإنسان. وقد كان لهذا الوضع أثره على القيم الأخلاقية التي انقلبت في واقعنا فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وفسدت أخلاق العامة والخاصة وفشا النهب والسرقة وغاب الأمن. وقد كانت جهنم التعصب العرقي والإرهاب والقتل بدم بارد مما أذكى روح النزاع والصراع بين مكونات المجتمع، فصار مهددًا بالتفكك والانقسام، وفي آخر الرواية يفنى هذا المجتمع في صورة رمزية اختارها الكاتب في صورة شجرة تغرق في البحر تحت السماء.

ختامًا يمكن القول إن رواية صنع في جهنّم قد مثلت محطةً مهمةً من محطات الكتابة الروائية في واقعنا اليوم، وذلك بما أسّس له جميل من تعالق بين الأدب ومشاغل العصر، كما فتح أبواب السرد على هموم الإنسان المختلفة بحثًا عن تحقيق سعادته والارتقاء بشرط وجوده. فكانت رواية صُنع في جهنّم رواية ليست للقراءة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد