البريق

على مدار 669 صفحة من السرد الممتع يتحفنا ستفين كينج بهذه الرواية، أفكار كثيرة راودتني أثناء وبعد قراءة الرواية، وهل كان له داع أن يكون حجم الرواية بهذه الضخامة؟
ما يميز ستيفن كينج هو رسمه الثلاثي الأبعاد لشخصياته، فمن خلال قصص سابقه مثل مقبرة الحيوانات الأليفة والشيء، تلاحظ أن ستيفن كينج يشرح ماضي شخصياته، فأنت تعرف حاضر الشخصية وتعرف أدق الأمور في ماضيها، ترى ماذا يريد ستيفن كينج أن يقول، هل يريد أن يقول إن أحداث وهزائم وتعاسات الماضي ستؤثر على المستقبل؟ هل التعيس لا مفر له من تعاسته مهما حاول الهرب من مصيره؟
نجد في الرواية الأسرة التعيسة ممثلة في: الأب جاك، وطفولته التعسة، وشبابه التعس، وفشله في عمله، وإدمانه للخمر. ويندي، وطفولتها الأليمة مع أمها. والطفل داني وطفولته السيئة مع الخلافات الأبوية وموهبته الغريبة.

ستعلو الريح يا صغيري وتعزف لحني مجددًا

كل هذه التعاسات هي قنابل معدة للانفجار في أي وقت، المفجر هو هذا الفندق، شيئًا فشيئًا، وببعض الخلافات البسيطة، وتراكم الضغائن يشتعل الفتيل، تلاعب بهم الفندق، أثار جنونهم، فمن حفلات لأشباح إلى حيوانات شجرية تتحرك إلى جثة امرأه متعفنة تطاردهم، ليعزف لهم الفندق لحن الجنون أملًا بأن يزداد ثراؤه بانضمام أسرة جديدة لطاقمه الأثير من الأشباح.

حين تدس يدك برعونة في عش الدبابير فأنت بذلك لا توقع عقدًا مع الشيطان تتخلى فيه عن نفسك المتحضرة، بل إن الأمر حدث لك فقط.

الأحداث الماضية في حياة كل منهم هي بمثابة الأكسجين الذي سهل الحريق، فمن خلال سير أحداث الرواية الحاضرة وربطها بأحداث ماضيه من مآسي وخيبات ومشكلات، والذي ستعرفه من كلام الشخصيات مع أنفسهم وتذكرهم لهذه الأحداث اللعينة ستفهم الصورة الكلية جيدًا، وتعرف لماذا أقدموا على فعل ما فعلوا، وكيف جن جنونهم تدريجيًا، بعكس الفيلم الذي لا يفسر سبب هذه التصرفات، على سبيل المثال علاقة جاك بويندي، نستطيع أن نقول إن الأمر لا علاقة له بالفندق وأشباحه، بل هي تراكمات قديمة من سوء الفهم والمشكلات والخصام، وكما ذكرت لكم آنفا فإنها كانت الأكسجين، أما الفندق فهو الشرارة التي بدأت هذا الحريق العظيم.

(الفضول قتل القطة يا عزيزي، وإشباع الفضول أعادها سالمة تمامًا من رأسها إلى قدميها، كانت تعرف أن هذه أشياء)

من ضمن الألغاز في الرواية هي شخصية جاك، فأنت لا تعرف ماذا يريد ستيفن كينج أن يخبرك عنه، هل يريد أن يلقي في روعك أنه تعس بالفطرة، وأن التعاسة هي قدره؟ هل زوجته المتسلطة هي السبب؟ أم إدمانه للخمر؟ ماذا عن ويندي الزوجة؟ هل هي أيضًا تعيسة بالفطرة؟ هل ما حدث معها بينها وبين أمها السبب في ما إليه مصيرها التعس؟

الجدير بالذكر أن الرواية تحولت لفيلم بنفس الاسم والفيلم على روعته، إلا أنه لا يداني قوه الرواية، قوه الرواية كما ذكرت سابقًا أنها أوضحت سبب فقدان جاك الأب لعقله، قوه الرواية في التدريجية، الأحداث البسيطة في الماضي والأحداث التي بدأت في الفندق، حتى عندما تلاعب بهم، في بداية الأمر كذبوا ما رأوا، وما شعروا به إلا أنه مع التدريج وبتصاعد حدوث الأشياء اللامنطقية تدريجيًا اعتادوا أو لنقل تماهوا معها، حتى موهبة الطفل التي تسمى البريق تدرج الأمر من نفيها تمامًا وتحول بالتدريج إلى الإيمان المطلق بها وبقدرتها.

في النهاية أنت أمام كاتب عملاق يسمى ستفين كينج تقف عاجزًا أمام موهبته وقلمه، أمام السيل الجارف من التفاصيل التي لا تشعر أمامها بالملل أبدًا، هذا الكاتب يتلاعب بعقلك إلى النهاية يستهلك أعصابك ومشاعرك إلى الغاية القصوى، وهذه الرواية هي أول عمل أقرأه في السنة الجديدة، وأراه من أقوى الأعمال التي قرأتها في حياتي، وأتمنى أن أجد عملًا آخر يدانيه في القوة، أود أن أشير إلى الترجمة المحترفة للمترجمة إيمان حرز الله، ونشكر دار المحروسة على هذه الاختيارات الممتازة من الأدب العالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد