مع بدء انتشار «فيروس كورونا» في الصين أواخر السنة الماضية، كان العالم بشقيه الآسيوي والوطن الإسلامي خاصة منشغلين بـ«صفقة القرن»، بعد أن أعلنها رسميًّا في البيت الأبيض رئيسها الأمريكي، دونالد ترامب، والتي جاءت أهم بنودها بالاختصار ضمّ المجتمعات المثلّث إلى الضفة الغربية المحتلة، اقتراح ليس بجديد بالنسبة للفلسطينين خاصة وللمسلمين عامة، فلقد صرح بها وزير الأمن الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان سنة 2004.

بهذه الطريقة تضمن إسرائيل التخلُّص من حوالي 300 ألف مواطن فلسطيني في الأراضي المحتلة من جهة، ومن جهة أخرى محاولة التقليل من الخطر الديموغرافيّ الذي يشكله على إسرائيل! في ظاهرها هي هزة أرضية بالقوة ثمان إلى تسع درجات بمقياس- ريشتَر- لنا كالمسلمين لكن في واقعها كهزة الأم لمهدها، إن صحّ التعبير.

نأتي الآن إلى الجهة الأخرى من العالم وهذه المر بشقه الأوروبي، فقد كانوا هم أيضًا منشغلين بـ«بريكست»، بعد أن أعلنت لندن من قبل رئيس وزرائها، بوريس جونسون، انسحابها وتقديم أوراق استقالتها من الحلم الأوروبي – إن صحّ هذا التعبير هنا أيضًا – بهذا تكون العائلة الأوروبية قد خسرت أحد أهم أفرادها.

أتوقف هنا لأقول ما كان لهذا الحدث أن يأخذ كل هذا صدى لو تعلق الأمر بدولة صغيرة ألقت بنفسها في الحضن الأوروبي بفعل الانفجار اليوغوسلافي أو بسبب الانهيار السوفيتي، إننا نتحدث عن صاحبة خامس اقتصاد في العالم، وصاحبة الميزانية الدفاعية الثانية في أوروبا وصاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وبدون أن ننسى موقعها الطبيعي في نادي الكبار، أضف إلى ذلك خبرتها الدبلوماسية المتراكمة في أنحاء عدة أماكن من هذا العالم، إننا نتحدث هنا يا سادة عن المملكة المتحدة وريثة الإمبراطورية التي لم تعرف يومًا غياب الشمس عن أراضيها.

قبل الخوص في عمق المقال نطرح بعض الأسئلة والاستفسارات على ضوء المقدمة، لتكون لنا تمهيدًا لموضوعنا هذا فنقول: هل سينجح الروائي والمؤرخ جونسون بالانفراد بقيادة سفينة لندن مع علمه بما سيواجه من المشقات الداخلية مع الحلم الأسكتلندي الذي يكمُن ثم يستيقظ؟ أم سيكون بداية للنهاية للحلم الأوروبي؟ وهل سينجح رجل الأعمال دونالد في تجسيد صفقته التاريخية؟ أم للكوفيد-19 رأي آخر؟

دعنا نبدأ من حيث انتهينا، بالتحديد عند طرحنا للسؤال عن مدى قدرة جونسون على تسيير المملكة ونحاول الإجابة عنه من الزاوية الكورونية، فنستشهد في هذا المقام بالقانون الثالث لنيوتن والذي ينص على أن «لكل فعل رد فعل» فبعد فوزه الساحق في الانتخابات الأخيرة، انتقل رئيس الوزراء البريطاني إلى تنفيذ وعده الانتخابي الرئيسي المتمثل في إخراج بلاده من الاتحاد الأوروبي في أقرب الآجال.

صحيح أن فعل الخروج هز الاتحاد وكيانه، وأدخله في دوامة مغلقة، لكن رد الفعل سيتمثل في سيناريو يصفه بعض الخبراء في المجال بأنه أشبه بكابوس مرعب، وسبق أن توقع البنك المركزي في المملكة أن يكون لهذا الفعل نتائج اقتصادية مشابهة لنتائج الحرب العالمية الثانية، لكن الظهور الأكثر ثقة الذي ظهر به جونسون خلال جلسة التصويت على القانون، الذي يضع حدًّا لمسرحية البريكست، لخير دليل على استناده على أسس قوية متينة.

نأتي هنا على ذكر خطاب الملكة إليزبيت الثانية على أعضاء البرلمان خلال احتفالية انعقاد أول دورة برلمانية بعد فوز جونسون بالانتخابات جاء فيه – بتصرف -: أولوية حكومتي مغادرة الاتحاد الأوروبي قبل نهاية السنة الجارية طبعًا، وأضافت سيسعى الوزراء بعد ذلك إلى إقامة علاقة مستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة الجانب التجاري الحر، والذي سيعود بالنفع على مملكتي بأكملها، وسيبدأون أيضًا بالتوازي مفاوضات تجارية مع الاقتصادات العالمية الرائدة الأخرى.

وجاء خطاب الملكة في شقه الثاني ردًّا على نيكولا ستيرغن – رئيسة وزراء إسكتلندا – ترفض حكومتي بشكل قاطع مطالب رئيسة وزراء إسكتلندا بإجراء استفتاء جديد على الاستقلال بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي قائلة – إن ذلك سيكون إجراء مدمرًا وسيقوض نتائج التصويت السابق الذي أجري قبل خمس سنوات.

بعد كل هذا التصارع في الأمواج تستحضرني عبارة المتنبي المشهورة والمتداول في مثل هذه المواقف المفاجئة وهي «»تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، نعم الكوفيد- 19 الذي جاء كالصاعقة فضرب كل الترتيبات المعلنة لخروج بريطانيا من الاتحاد عرض الحائط، فقد تمكن من إدخال بريطانيا وهي على مشارف الأمتار الأخيرة من ماراثون بريكست في أزمة عميق وضغط سياسي واجتماعي كبير، بسبب تزايد معدل وفيات «كوفيد-19» اليومي، وأيضًا بسبب الحالة الصحية لجونسون الموجود في العناية الفائقة إثر إصابته بالفيروس.

الأمر الذي يجعل بريطانيا أمام معادلة من الدرجة الثانية، فبعد حساب مميزها – دلتا – على ضوء الخبراء والمعطيات ستؤول نتيجة المميز إلى الصفر وبهذه نكون أمام حل واحد بمنطق الرياضيات وهو تمديد الفترة الانتقالية سنة أو سنتين على أقصى تقدير، إلى عودة المياه إلى مجاريها، خاصة والآن الإنجاز الكبير قد تم ولم يبق إلا تحسينه.

نعود للجزء الثاني من السؤال لنقول هل سنشهد نهاية للحلم الأوروبي بعد كوفيد-19 أم هي أضغاث أحلام؟ كل المؤشرات والمعطيات تقول إن هذه الجائحة هي القطرة التي أفاضت الكأس، وأن بريكست بريطانيا لن يكون الأول والأخير، بل سنرى بريكست آخر وآخر وآخر…

فكوفيد- 19 كان الاختبار الحقيقي لمدى صلبة الاتحاد من خلال تعامل مؤسساته مع أزمة الفيروس لكن ما رأيناه «قلنا لبريطانيا إنها على حق فيما فعلته» فقد اكتفت كل دولة بما عندها ونأت بنفسها عن الأخرى، فرأينا ألمانيا وفرنسا على سبيل المثال أعلنتا في بداية الأزمة فرض قيود صارمة فيما يخص حظر تصدير جميع مستلزمات الوقاية الطبية لخارج حدودها، ورأينا رفض ألمانيا ودول شمال أوروبا مناشدة إيطاليا وإسبانيا حين طلبتا الاقتراض من خلال سندات كورونا للمساعدة في تخفيف الصدمة الاقتصادية للوباء.

ليعلن بعد ذلك الإيطاليون أن الاتحاد أصبح حبرًا على ورق، ولم يعد قائمًا فعليًّا، بل قائمًا شكلًا؛ لأنه لا يؤدي خدمة لإيطاليا المنكوبة، بل بقيت مكتوفة الأيدي أمام نزيف الموت الذي يترصد الإيطاليين كل يوم، فرأينا انتشار مقاطع فيديوهات تضمنت رسائل لمواطنين ومسؤولين إيطاليين، يعبرون فيها عن سخطهم على مؤسسات الاتحاد، متهمينهم بالخيانة لروح الاتحاد، كما بلغ مطلب البعض منهم بالخروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي.

لكن ما حدث كان العكس تمامًا فصحت فيهم عبارة «يأتيك الفرج من حيث لا تدري أو لا تحتسب»، فرأينا صورًا من التضامن واستجابة لنداء الإغاثة الصادر عن الحكومة الايطالية، فحلقت طائرات من كل أنحاء العالم لنجدة الشعب الإيطالي والإسباني، أكبر المتضررين من فيروس كورونا، محملة بالمستلزمات الطبية والأطقم الطبية، والمواد الغذائية إلى المطارات الإيطالية المنكوبة، وعبر الشعب الإيطالي برسائل شكر وامتنان على وسائل التواصل الاجتماعي لكل البلدان التي سارعت ببعث المساعدات، وهناك من وصل بهم الأمر إلى إزالة علم الاتحاد وتعويضه بعلم إحدى الدول المساعدة.

نتوقف هنا لنتساءل عن إمكانية بقاء الاتحاد الأوروبي كمؤسسة موحدة خلال الفترة القادمة، لأن كوفيد-19 قد ترك من الأسباب التي قد تراها إيطاليا أو إسبانيا مقنعة للخروج من الاتحاد، والتعبير عن الامتعاض والاستعانة ببديل عن الاتحاد، فهل تستطيع فرنسا إقناع إيطاليا باعتباريهما المؤسسين للاتحاد؟ أم سنشهد بريكست جديد برعاية إيطالية أو حتى إسبانية؛ نتيجة أنانية أعضاء الاتحاد الأوروبي خلال تفشي فيروس كورونا؟

والآن دعنا نعود إلى صفقة القرن التي كانت برعاية أمريكية وإنتاج إسرائيل وتمثيل عربي، الصفقة التي اكتملت أضلاعها، وهي الآن سارية المفعول والعالم منشغل بالكوفيد- 19، المؤسف في كل ذلك أننا لم نر رد فعل قويًّا في ذلك الوقت من حكام عرب أو مسلمين يذكر إلا قليلًا.

وهنا أريد استحضار أحد أهم المواقف التي أراها شخصيًّا تاريخية في صراع المسلمين مع اليهود، والتي أردت أن تكون إجابة عن السؤال الذي طرحناه سابقًا حول نجاح ترامب في تجسيد الصفقة وتكون ختامًا للمقالي هذا؛ لأني لا أرى بعدها حديثًا.

الموقف يعود لسنة 1973م -بتصرف-: عندما قرر الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، أو كما يلقب بـ«حكيم العرب» أن يقطع النفط عن الدول الغربية وأمريكا؛ وذلك كوسيلة للضغط عليهم أثناء حرب أكتوبر عام 1973م في إطار الرد عليهم لانحيازهم إلى إسرائيل، ومن أجل دعم القضية الفلسطينية؛ مما جعل الغرب يتخبط مترنحًا مما قد أصابه من قطع النفط، وهو أمر تعجيزي غير متوقع مما تسبب لهم في أزمة طاقة كبيرة.

فأرسلت على الفور الولايات المتحدة الأمريكية وزير خارجيتها في ذلك الوقت، هنري كيسنجر، فيقول أتيت مهرولًا برفقة مستشار الأمن القومي في أعقاب إعلان قطع النفط، حيث تم استقبالنا داخل خيمة، وكانت الجلسة على الأرض، وظهر الملك بكل عزة في منتصف المجلس، وبدت القهوة العربية برائحتها العطرة تتلألأ أمام الجالسين وكأن الملك أراد أن يعطي لي درسًا بذلك الاستقبال، وهو قدرتهم على العودة إلى العيش بالخيم والاستعانة بالجمال والاكتفاء بالتمر واللبن مثل الأولين، وقد قال الملك فيصل مقولته الشهيرة آنذاك وهي: «عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما».

وكان ذلك هو أبلغ رد على محاولات أمريكا بالضغط عليه من أجل العزوف عن قراره، فيقول كيسنجر حاولت استفتاح حديثي بالمداعبة السياسية التي تخترق تلك القضية التي ذهبت من أجلها فقلت: «إن طائرتي تقف هامدة في المطار بسبب نفاد الوقود فهل تأمرون جلالتكم بتموينها وأنا مستعد للدفع بالأسعار الحرة؟ حينها لم يبتسم الملك بل رفع رأسه بكل عزة قائلًا: «وأنا رجل طاعن في السن وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية؟».

كان كيسنجر يسعى جاهدًا ليثني الملك عن قراره بحظر النفط، بينما كان موقف الملك ثابتًا متشددًا حيث قال له قرار وقف تصدير النفط ليس قرارًا فرديًّا، ولكنه كان قرارًا عربيًّا جماعيًّا، نحن جزء من العائلة العربية، أريد منكم الالتزام بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، لأذهب إلى إخواني العرب وأقول لهم ذلك.

حينها أدرك كيسنجر أن لقاءه بالملك غير مثمر، فلم يستطع أن يجعل الملك يتراجع عن قراره رغم كل محاولاته الذليلة من أجل أن يحل المشكلة المتفاقمة التي وقعوا فيها بسبب انقطاع النفط، وهكذا عاد كيسنجر خائب الأمل إلى الولايات المتحدة ليكتب مذكراته التي ذكر فيها اللقاء التاريخي، وكيف بدا الملك فيصل رجلًا واثقًا في نفسه معتزًا بعروبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

روائي, صراع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد