قد يكون حلمًا للجميع – حلمًا – أن نعود يومًا إلى ميدان التحرير في ليلة باردة كـالثامن والعشرين من يناير، تمتزج أغاني الشيخ إمام بأصوات الرصاص والخرطوش وتجمعنا زجاجة خل واحدة نتقي بها شر غاز الداخلية، يفرقنا اقتحام المدرعات للحشود، ويجمعنا هتاف واحد، لكنه حلم تحطمه مرجعيات تاريخية ثابتة، إذ إن الفعل الثوري لا يتكرر أبدًا حتى إن تطابقت الظروف، وما حدث في يناير لن يحدث في المستقبل أبدًا، حتى لو أعدنا مباركـًا ونظامه الفاسد مرة أخرى، فالنتيجة حتمًا متغيرة.

 

الجميل في الثورات كونها فعلًا ارتجاليًّا سريعًا، خطفة زمنية للحقيقة والتشبث بها، لم يكن في يناير خيار آخر، كان ” الأمر ” متجاوزًا قدرة الجماهير على التحمل، خرجت تبحث عن براح افتراضي في الشوارع بدلاً من ضيق الأفق وانعدام الحلول التي حسرتها فيه الدولة، يصرخ الشعب ولا شيء وقتها كان سيمنع مباركـًا من السقوط، تشبثنا بوجودنا سويًا في مكان واحد يجمعنا هدف واحد، إنها لحظة الحقيقة الارتجالية.

قد تكون جماعة الإخوان المسلمون تملك الحلم نفسه، حتى وإن اختلفت الآليات والأهداف والطموحات، لكن الجماعة لم تدرك حتى الآن أن التاريخ لم يكتب عبثًا، رغم أنها تمتلك موسوعة تاريخية ضخمة ورغم أنها تعج بالأخطاء والتناقضات إلا أن الجماعة نادرًا ما بحثت في موسوعتها عن شيء يشبه ما يحدث لها الآن!

 

إذا تعرضت لانقلاب عسكري فإنك في كارثة، وإذا تعرضت لانقلاب عسكري يمتلك شعبية جارفة كونتها ديماجوجية عبقرية وخطابات شعبية بالغة التأثير، ونفاق طبقة الانتلجنسيا للنظام في وسائل الاعلام، أنت هنا في كارثة أعظم وأكبر.

 

أمامك خياران، إما أن تحتج في الشوارع وتثور على النظام الجديد وهو في مراحل بنائه الأولى، وقتها يكون النظام هشًّا ورخوًا وتائهًا في سراديب الدولة، أو أن تعترف بالهزيمة في سكون وتبدأ في محاولة الاندماج مع طبقات الشعب، تسعى للوصل إلى مكاسب أكبر، وتشتبك مع النظام في أماكن أكثر، تضرب النظام في الأماكن التي تؤلمه.

 

لكن الجماعة عجزت عن ذلك، ترنحت يمينًا ويسارًا وهاجمت وتراجعت، ولم يعد بإمكاننا تحديد استراتيجية مواجهة النظام، لكنها في الأغلب استراتيجية لا مركزية تعطي مشروعية التصرف للأفراد والكتل الصغيرة في الحالات الطارئة وغير الطارئة، استراتيجية لا تعطي مساحة للحراك أن يكون مركزيًّا سوى في قضايا مصيرية، الجماعة تستخدم العنف في مواجه النظام داخل الجامعات، لكنها لا تفعل ذلك مثلاً في مسيراتها الأسبوعية.

طرح شباب الإخوان فكرة انتفاضة الثورة الإسلامية – والفكرة هنا صادرة من مركز الجماعة وقلبها- وما على أفرعها إلا التنفيذ، وحددوا لها يوم 28 من نوفمبر المقبل موعدًا لبدايتها، ونهايتها أيضًا.
ستفشل الانتفاضة حتمًا، في هذا التقرير نستعرض جزءًا من الأسباب التي سوف تسبب فشلها:

 

أولاً: أيدولوجية الحراك
لم نسمع أبدًا في تاريخ أية حركة ثورية أن الحراك الثوري اتخذ أيدولوجية محددة، بل إن ميزة الثورة دائمًا أنها تجميع لكل الأطراف المتلازمة فكريًّا على مطالب محدده، لكن الحراك اتخذ أيدولوجية يمينية، وقد تكون يمينية متطرفة، إذ لم تطرح الانتفاضة حتى الآن سياستها ولا أفكارها في الصراع أو ما بعد الصراع، إننا بصدد الحكم علي شيء هلامي لم نعرف جوهره حتى الآن، حتى المشاركين فيه لا يدركون جوهره تمامًا!

 

الغريب أن الانتفاضة لا تسوق أسبابًا دينية أو عقائدية لها، بل تتعامل على أنها اتجاه يمثل الكثيرين، اتجاه ثوري يهدف لإقامة نظام إسلامي (ليس له ملامح أو تصورات) في دولة تتصدر قائمة الدول الأكثر تصفحًا للمواقع الإباحية فـي العالم!

 

ثانيًا: أصولية النظام
قد يكون الأمر بسيطًا حين تقوم انتفاضة إسلامية على حاكم علماني أو يساري متطرف، الشيء المضحك المبكي أن الانتفاضة تقوم على نظام أصولي متشدد، بل أكثر أصولية من مطلقي الدعوات أنفسهم، حتى إن كانت الأصولية في عقيدته جزءًا من السيطرة على الدولة والشعب بإحكام قبضة الدين، لكن يبقى الظاهر للعيان أن النظام يمارس سلوكًا لم تستطع الجماعة طيلة حكمها أن تمارس أجزاءً منه!

 

تخيل لو أن أحدًا قال تصريحًا كالذي قاله قائد الانقلاب العسكري أنه الدين والمتحكم في كل شيء، أو أن أحدًا من الجماعة مارس وصاية أخلاقية وشرع في إنشاء هيئة الأمر بالمعروف تابعة للشرطة ! أي أن الانتفاضة في نهايتها لا تضرب النظام في المكان الذي يؤلمه، لأن النظام قادر على أن يبرهن أنه أكثر أصولية وتدينًا من الانتفاضة نفسها!

 

ثالثـًا: الجماعة تترنح
بعد انتخابات تونس ظهرت أصوت من داخل الجماعة تكفر بالديموقراطية التي أسقطت حزب النهضة ووضعته ثانيًا بعد تحالف نداء تونس، بعيدًا عن أن الجماعة لم تتفهم حتى الآن الخطأ الكارثي في ترشيحها للانتخابات لكن الأصوات الشابة كانت تريد أن تقول إن الديموقراطية لم تعد تجدي نفعًا، وإن الحل في فرض النظام الإسلامي، لو كنت عزيزي القارئ واحدًا ممن تأسسوا ونشأوا داخل الجامعة فستعرف حتمًا ماذا يمثل نظام الخلافة بالنسبة للجماعة، الحلم الذي يجب أن يتحقق يومًا ما.

 

ترنحت الجماعة منذ الانقلاب، حاولت جاهدة التقرب إلى النخب الليبرالية والعلمانية ثم لفظت الفكرة سريعًا، ليس فقط لأن النخب في مصر ليس لديها أزمة مع حكم العسكر، وإنما أزمتها فقط مع الضرر الواقع عليها من الحكم العسكري، لفظت الجماعة النخب لأنها أدركت كم الضعف والهشاشة التي تمثلها الأحزاب والمنظمات الليبرالية، وتيقنت أن الخطاب الليبرالي ليس مناسبًا للحالة الثورية التي يجب أن يكون عليها الوضع بعد الانقلاب، ارتدت الجماعة لترمي الكرة في ملعب شبابها الأصوليين (وهم كثر).

 

لم تكن فكرة الثورة الإسلامية مطروحة للخروج للجماهير بها بعد فض اعتصام رابعة، ربما لو نشأت وقتها كان الأمر بدا متفهمًا، لكن الشارع ينسحب تدريجيًّا من تحت أيادي المتظاهرين، ويجب أن تكون هناك فكرة لبقائه، تصور بائس أكثر من تصور عودة مرسي نفسه!

 

رابعًا: سيناريو الانتصار والهزيمة
ماذا تمتلك الانتفاضة لما بعد يوم الثامن والعشرين من نوفمبر؟ لا شيء، فرضًا أن الحلم تحقق وانتصرت المسيرات ما الخطوة التالية التي ستحدث؟ إن كنا أضعنا الثورة فالسبب الرئيسي هو انعدام جاهزيتنا لما بعد الانتصار، ضجيج المسيرات والمليونيات في ميدان التحرير لا يكفي لإدارة الدولة، ولا يعتبر برهانـًا على النجاح، الجماعة نفسها طيلة فترة حكمها كانت تبحث عن حلول للمشاكل بصبر ودأب، لم يكن لديها خطة لحكم مصر ولا برنامج حقيقي.

 

أي حراك ثوري ذلك الذي ينتهج فقط إسقاط الأنظمة دون أن يعطي بديلاً لها؟!

 

خامسًا: ماذا قدم مرسي للدولة الإسلامية؟
لم تمارس الجماعة فاشية دينية طيلة فترة حكمها بشكل رسمي، بعيدًا عن التجاوزات في الفضائيات الناطقة باسمها، كل ذلك يمكن تصنيفه على أنه هياج إسلامي، مرسي لم يصدر طيلة فترة حكمه أية قوانين فاشية، لم تٌشكل هيئة الأمر بالمعروف مثلاً، عجزت الرئاسة عن تمرير قانون يقضي بإغلاق المحال التجارية في العاشرة مساء لتوفير الكهرباء.

 

لم يكن مرسي حاكمًا إسلاميًّا، الخوض في تفاصيل محاولة تصنيف حكم الإخوان المسلمين لمصر صعب، إذ أننا لا نمتلك معيارية للحكم الإسلامي، نموذج إيران أم السعودية أم السوادن أم تركيا؟

 

لكن مرسي في النهاية كان بعيدًا تمامًا عن التخيلات والسيناريوهات المطروحة من الانتفاضة الآن، إذًا هناك مطلبان رئيسيان سوف يرفعان يوم 28 نوفمبر، عودة مرسي (كركيزة أساسية لاستمرار الصراع ) وانتصار الانتفاضة الإسلامية على النظام، وهما بشكل تجريدي بينهما استحالات منطقية كثيرة جدًّا. ماذا سيحدث أولاً؟  هل سيعود مرسي ويطبق الدولة الإسلامية التي لم يطبقها في أفضل أوقات الجماعة شعبيًّا، أم ستنتصر الانتفاضة ويأتي مرسي رئيسًا لها، وهو الذي لم يسع إليها طوال حكمه؟

 

سادسًا: الشارع التائه في حجر النظام
نجح النظام في إزاحة الثورة عن الشارع، شوه رموزها إعلاميًّا وصدر الإخوان على أنهم ممثلون عن الثورة، أبرز المساوئ التي حدثت آخر عامين بشكل جيد، استطاع أن يرد بقايا النظام القديم بشكل جيد، أصبحت الثورة بالنسبة لعموم الجماهير شيئًا مكروهًا ومنبوذًا، لم تستفد الجماهير منها شيئًا، على سور مجمع التحرير أثناء أحداث محمد محمود كتبت عبارة تاريخية: ” شعب يصنع نصف ثورة.. شعب هيتفشخ”.

 

وقد كان، الثورة الآن على النظام أسهل من الثورة في يناير، الأوضاع الاقتصادية والأمنية أسوأ مما كانت عليه في يناير، والحريات العامة للمواطنين مهددة، لكن الشعب عرف أن الثورة (التي لم يكملها) شيء سيئ، فلفظها تمامًا وأسقطها من حساباته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

28 نوفمبر, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد