في أوج انتشار فيروس كورونا ونشرات الأخبار المتلاحقة من وزارات الصحة تحذر الناس من خطر قادم يهدد أجسادهم وسط خوف وهلع الناس، كان لدي أنا خوف آخر ومحنة أكبر، لا تتعلق بالعدوى ولا بالاختلاط، محنة لم تكن كل الإجراءات الاحترازية لتوقفها، تمرد من الداخل!

استيقظت بعد نهار عمل نشط صاخب وليلة نوم هانئ بنصف وجه!، نظرت في المرآة فلم أعرف نفسي، نصف وجهي مازلت قادرة على التحكم به، ونصفه الآخر متهدل وكأنه ليس مني!، شبه ميت لا يتحرك منه شيء، لا العين ترمش ولا الأنف يشم ولا جانب اللسان يتحرك . أصاب وجهي شلل نصفي.

قال الطبيب: التهاب في العصب السابع لنصف وجهك الأيمن. قلت لماذا؟ قال لا أعلم بلا سبب محدد، نحن نعالج النتائج وسيبقى التحسن بطيئًا رغم العلاجات والألم، عليك اعتياد وجهك لبعض الوقت.

هل تعلم معنى أن تبقى حبيس نفسك؟!، غالب الأمر لا يعلم إلا من أصابه مرض طويل فأقعده، البعض كان يواسيني ويقول لي لا داعي للخوف سيعود فمك لمحله في منتصف وجهك، ولا بأس أن كانت عيناك لا تغمضان ارتدي فوقها عصابة أثناء النوم، والدموع المنهمرة ستتوقف، وابتلاع الملح والطعام الحار لن يفيدك في شيء، أما استحالة ارتشاف الماء من الكوب فالملعقة ستساعدك.

لو أقسم كل الأطباء أمامي على أنها محنة مؤقتة وستزول ما صدقتهم، فالمريض لا يصدق إلا ما يراه، لا يصدق إلا محبسه وعجزه، شهر كامل أوله بكاء وأوسطه غضب وآخره تسليم.

لسان خائر وبصر ذهب بعضه، وقلب سكنته اللوعة والخوف من الموت الذي طالما ادعيت أنني انتظره، الآن أكتب وصيتي وأنا حقا استشعر معنى أن يتوقف قلبي فجأة كما توقف بعض جسدي، أتعجب كيف يفقد الجسد بعض وظائفه هكذا من دون إنذار مسبق، مثل انقطاع الكهرباء عطل تفقد فيه بعض قدراتك، نصف قوتك.

كنت أفكر وقتها كثيرا ماذا على أن أفعل إن أصبحت حالة دائمة؟!، إن كان شلل عارض قد أفقدني شهرا من حياتي، وأهان عزيمتي ورغبتي في الحياة، وعلمني درسا فاق كل دروس أعوامي الأخيرة. فماذا يفعل من فقد الحركة في نصف جسده أو كامل جسده للأبد؟، فإذا قلت لك مثلا أنني أصبت بمرض عصبي، والذي يعني أن سأفقد السيطرة على بعض جسدي لمدة يوم واحد أقوم فيه بتوديع العالم الخارجي، أفقد حواس السمع والبصر والإدراك وأكون خاضعا فيه للهلوسة والأوهام، وإذا زعمت أن الحالة ليست معدية كذلك، فإنك ستتمنى لي الشفاء من هذا المرض الرهيب والذي هو أشد وأخطر من فيروس لعين ينتقل بالعدوى، لكنك ستبتعد مسافة كافية حتى لايصيبك بعض ألمي، فلا أحد سيتحمل للأبد.

تألمت كثيرا وأنا أفكر أننا لا نشعر بالألم حقا ولا نتعاطف مع الآخرين إلا إن أصابنا مس من آلامهم . من يفقد السمع او البصر هو محارب حقا وليس مبالغة. لماذا خلق الله المرض؟ وهل نحن بحاجة للمرض لنتعلم؟ ثمة نوع من الحياة لا وصف كريم له بين الموت والحياة الحقيقية، حالة ثالثة ليست عدمًا وليست وجودًا، المرض حال بينية، المرض شيء استثنائي، حياة بين الصحة والموت، صلة بالسماء تدنو وجذب نحو الأرض يقترب، رحلة لا وقت محدد لنهايتها قد يعود المرء منها متعافيا الى حياته السابقة، وقد يعبرها نحو الموت او يبقى عالقا لا هو بالحي ولا هو بالميت.

قال الزاهدون: كل الأرواح مسكونة بالله، والمرض يطهر الروح الآثمة وينقيها، يعيدها شفافة تصلح لتلقي الرسائل التي عرفتها قبل أن تنسى، ولتتلقى هذه الرسائل يجب أن ينكسر شيء ما في كبرياء جسدك وعنفوانه، لذا نصوم ونشق على هذا البدن الترابي، وتحرم عليه بعض ملذاته قربى إلى خالقه، وتخليصا للروح من أدرانها، فإن لم تفعل بإرادتك أجبرك المرض على ذلك، بالعجز والوهن. ذلك أن الله لما خلق الروح حبسها في ثلاثة سجون محكمة، جسد وزمان ومكان، المرض يطهر الروح ويدنو بها من خالقها يمحو الزمان والمكان.

ما أرجوه منك هو أن تفكر في شعار جديد منحته لي هذه التجربة، اليوم هو ما أملكه، فقط «الآن» لا غد ولا أمس، لا لهاث وراء هدف بعيد ولا ندم على فوات، الآن لا تعني التمرد والعصيان وإنما اكتفاء بالمتاح واستمتاع بما بين يديك بل وتلذذ بالمتاح، تذوق عصير المانجو وأنت تلمس وجه حبيبك، انظر للقطار وتذكر موعدك لكن لا تسرع خلفه. سر الى هدفك بوقار. أطل مقامك في جلسة الأصدقاء وارشف قهوتك. تمهل في قضم قطعة الشوكولاتة التي في فمك وتذكر أن غيرك محروم منها، اشكر الله وأنت تستمتع بسيطرتك على جسدك، وأخيرا لا تستبعد نفسك من أي ابتلاء أو مرض.

وتذكر أنت لا تملك جسدك ولا تملك في هذه الحياة أي شيء، بل ربما جسدك هو من يملكك، يملكك بالأوهام والأحلام أو بالألم والعجز، يسير بك نحو أحلامك أو يقعدك عنها، يلين لك أو يهينك، شئت أم أبيت أنت أسير لمتعه وملذاته، آلامه وأوجاعه وقدراته المحدودة، ولذا قيل أن الموت انتصار للروح على الجسد وتحرر بعد طول أسر. من شكر الله ذكر البلاء بعد زواله فالحمد لله الذي أذهب عني ما أعجزني وأهمني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد