يسري دائمًا في أذهان أهل مصر من محبي التاريخ الفرعوني أن الفراعنة هم البيض، الذين تجلت فيهم قوة البنيان الجسدي. ولكن كان للحضارة المصرية الفرعونية امتداد جنوبي تخطى اللون الأبيض المتعارف عليه، وكانت منطقة «كرمة» في شمال السودان حاليًا هي امتداد لتلك الحضارة المصرية في أحيان كثيرة، وفي أحيان أخرى كانت حضارة منفصلة بحد ذاتها، غلب عليها اللون الأسود، وساهمت كثيرًا في الإضافة لحضارة المصريين في دلتا النيل.

فحديثًا، دار خلاف شديد بين المؤرخين المصريين والعرب دارسي التاريخ الفرعوني، وبين بعض الغربيين والأمريكان أصحاب البشرة السمراء ذوي الأصول الأفريقية عن هوية الحضارة الفرعونية، وأنها ليست مصرية خالصة، أو أصحابها أصحاب بشرة بيضاء فقط، ولكن كان هناك فراعنة سود حكموا «طيبة»، وارتبطوا بحضارات أخرى في وسط أفريقيا، وبعد البحث كان هناك اكتشاف عظيم في السنوات الماضية من فريق عمل أثري سويسري يتزعمه باحث سويسري يدعى «شارلي بوني»، استمر عمل الفريق أكثر من 40 عامًا في شمال السودان، وبمشاركة شعبية من باحثي أهل السودان، وخصوصًا في منطقة «كرمة» القريبة من أرض الذهب في مصر «بلاد النوبة»؛ حيث قاموا باكتشاف 7 تماثيل لملوك الفراعنة السود في «دوكي قيل» أو الهضبة الحمراء باللغة النوبية القديمة، ومن هؤلاء الملوك السبعة من حكم بلاد السودان وأجزاء من جنوب مصر. ورغم اكتشاف الخبراء لآثار مصرية خالصة في هذا المكان، إلا أنهم أقروا أن هناك وجودًا لحضارة نوبية عايشت هذا الغزو المصري لشمال السودان، وقام الحاكم المصري بسماتيك الثاني بطمس ملامح تلك التماثيل عندما تمكن من استعادة السيطرة على المنطقة، بعد أن كان هؤلاء الفراعنة السود يحكمون السودان ومصر، وكان من نتائج ذلك محو أسماء كل الملوك الكوشيين من المعالم الموجودة في مصر.

ومن الدلائل الموجودة بتلك المواقع على وجود بقايا حضارة نوبية خالصة غير متأثرة بالحضارة المصرية، معبد دائري الشكل على غرار ما هو موجود في روما واليونان، يقول عنه شارل بوني الباحث السويسري: «إنه لا يوجد مثيل له في باقي المناطق الفرعونية المصرية».

ولكن تدمير مدينة كرمة لم يعمل على تدمير المملكة النوبية التي انسحبت إلى داخل الأراضي النوبية بقيادة الملك «آسبلتا»، وهو الذي استطاع بعد عشرين عامًا من ذلك استعادة زمام الأمور، وأعاد بناء كرمة. وقد يكون هو الذي أمر بدفن بقايا التماثيل السبعة تقديسًا لأرواح أجداده.

وقد كانت الأسرة الخامسة والعشرين هي الأسرة النوبية التي حكمت مصر لمدة 75 عامًا، وعرفت تاريخيًّا بـ«الفراعنة السود». وكان أولها بعنخي الملك النوبي العظيم الذى قرر في 730 قبل الميلاد غزو مصر «لإنقاذها من نفسها»، بعد أن مزقتها الصراعات الداخلية في ذلك الوقت، فأبحر بجنده من شمال السودان قاصدًا مصر العليا، وعسكر بعاصمتها «طيبة».


وإيمانًا منه بأنها ستكون حربًا مقدسة، أمر جنده بتطهير أجسامهم
بالاستحمام من مياه النيل، ثم التبرك من مياه معبد الكرنك المقدسة برشها
على أجسامهم، ثم قام بنفسه بتقديم القرابين للإله رع إله الشمس في معبد الكرنك.

وبعد حصار استمر لمدة عام، بدأت مصر في الاستسلام حاكمًا بعد حاكم
حتى استسلم حاكم الدلتا العظيم «تفناخت»، الذي قام بإرسال الرسل إلى بعنخي يتوسل إليه، ومعطيًا إياه كل ما يملك من ذهب وجواهر ثمينة، وأن يأخذ ما يشاء من خيوله. وشهدت تلك الفترة إضافات جيدة للنوبيين في الحضارة المصرية، فبنوا المعابد والأهرامات، وواجهوا جيوش الأشوريين القوية، وتوج بعنخي بملك الأرضين، ولكنه فجأة قرر العودة إلى بلاد النوبة، بعد أن جمع جيشه وغنائمه ومات في 715 قبل الميلاد، ودفن في هرم يحاكي في طرازه الأهرام المصرية، واستطاع الفراعنة السود تأسيس إمبراطورية عظيمة تمتد حدودها من الخرطوم جنوبًا حتى البحر الأبيض المتوسط شمالًا، حتى جاء «بسماتيك الأول» في 663 قبل الميلاد، وهو من طرد ملوك النوبة بمساعدة الإغريق، وبنى الأسرة 26 والتي سقطت أيضًا على يد «قكبيز» ملك الفرس في 252 قبل الميلاد.

سنكمل في المقالات القادمة تاريخ النوبيين، والحضارة النوبية في مصر والسودان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد