الحديث عن الاتفاق بخصوص الملف النووي الإيراني مع الدول الكبرى، وما يثار مؤخرًا عن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة للتخلي عن هذا الاتفاق، تلبية لرغبة الرئيس الأمريكي الجديد «دونالد ترامب».

بالتأكيد إن الولايات المتحدة الأمريكية ستتخلى عن الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» نهاية فترته الرئاسية، بالاشتراك مع الدول الكبرى «مجموعة خمسة + واحد» من جهة، وإيران من جهة.

ربما لأن الهدف من هذا الاتفاق كان لمجرد إفساح المجال لإيران حتى تتمكن من استعادة أنفاسها، وإعادة هيكلة اقتصادها؛ حتى تتمكن من تغطية تكاليف إنتاج سلاحها النووي، خصوصًا وأن اقتصادها كان يعاني من العديد من المشاكل بسبب الحصار المفروض عليها من قبل المجتمع الدولي، التي أوصلته إلى حالة متدهورة جدًا حتى جاء التوقيع على الاتفاق النووي، ودخوله حيز التنفيذ.

الآن وبعد أن تمكن الاقتصاد الإيراني من التقاط أنفاسه، واستعادة عافيته بشكل نسبي مجددًا، فإنه لا ضير في أن تتراجع الولايات المتحدة المتحدة وحلفاؤها عن الاتفاق النووي، الذي يحرم إيران من امتلاك سلاح نووي حسب التصريحات التي خرج بها الأمريكيون وحلفاؤهم عقب مراسيم التوقيع على هذا الاتفاق. وبالتالي فإن التراجع عن هذا الاتفاق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، سيعطي إمكانية -عذر- للنظام الإيراني أن يمتلك هذا السلاح. وهذا يمثل مكسبًا كبيرًا لكلٍ من إيران والولايات المتحدة الأمريكية على السواء. لماذا؟ لأن إيران ستستفيد من امتلاك هذا السلاح، والولايات المتحدة أيضًا ستستفيد من امتلاك إيران لهذا السلاح.

كيف؟ وماذا بالنسبة لأمن إسرائيل الذي يمثل أولوية بالنسبة لكل الإدارات الأمريكية المتعاقبة؟

هذا هو السؤال الجوهري. بالنسبة لكيف؛ فمن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي توفر الحماية الأمنية والعسكرية والسياسية للأنظمة الخليجية، وإذا تمكن النظام الإيراني من امتلاك السلاح النووي، فإن ذلك سيمثل وبلا شك تهديدًا مباشرًا للدول الخليجية، وستعمل إيران على فرض وبسط نفوذها وهيمنتها على المستوى الإقليمي، وسيساعدها هذا الوضع -أن تكون دولة نووية- على التحرك واللعب بشكل أكثر فاعلية على المستوى الإقليمي وحتى الدولي.

هذا الوضع سيستدعي من الدول الخليجية أن تطلب من الولايات المتحدة توفير الحماية، والدفاع عنها في وجه القوة الإيرانية ذات الأطماع الكبيرة. وكما نعرف جميعًا، فإن الولايات المتحدة لا تقدم خدمات الحماية بالمجان، فهي لا تعرف إلا لغة الخسائر والمكاسب -المصالح- في تعاملها وعلاقاتها. وبالتالي فلا تستطيع الأنظمة الخليجية أن تختار غير الدفع، لأنه لا يوجد لها خيارات أخرى متاحة. خصوصًا في حال تطور الأمر إلى المواجهة المباشرة بين إيران، والدول الخليجية فإنها –الدول الخليجية- لن تجد من يساندها في هذه المواجهة، خصوصًا من محيطها الإقليمي، وذلك في ظل استمرارها في تسيير سياساتها عشوائيًّا، واصطناع أعداء افتراضيين من حولها -اليمن وسوريا وقطر والعراق- وبالتالي، اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتوفير الحماية من إيران، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن تمكن النظام الإيراني من امتلاك السلاح النووي، والتلويح باستخدامه، لا شك أن ذلك سيدفع بالسعودية والدول الخليجية إلى اللجوء للدخول في تحالفات لمواجهة القوة الإيرانية وأطماعها في المنطقة. والحليف المتوقع والأمثل في هذه الأثناء وفي مثل هذا الوضع سيكون الكيان الصهيوني. وبالتالي فإن إسرائيل ستكون مستفيدة أيضًا من هذا الوضع، حيث سينبني على الدخول في مثل هكذا تحالف انتزاع اعتراف عربي بهذا الكيان، من قبل دولة ذات وزن إقليمي وتأثير كبير في نطاق الوطن العربي والعالم الإسلامي، وهو بالتالي يعتبر أكبر مكسب بالنسبة للكيان الصهيوني.

ومن منظور حساب الربح والخسارة، فبالنسبة للولايات المتحدة وإيران والكيان الصهيوني ستكون هي الأطراف الرابحة، والخاسر في هذه المعادلة سيكون السعودية ودول الخليج التي تتبنى السياسة السعودية، وأيضًا الدول العربية -اليمن وسوريا والعراق مثلًا- التي ستصبح ملعبًا لهذا الصراع، وقضية العرب والمسلمين المركزية التي تتمثل في «فلسطين».

هذه المسألة تنطوي على أمرين، فهي من ناحية تمثل «عملية ابتزاز» فاضحة ومخزية من قبل الأمريكيين تجاه السعودية ودول الخليج، ذات مردود اقتصادي مربح جدًا للاقتصاد الأمريكي.  ومن ناحية أخرى هي مرحلة من مخطط استراتيجي، يهدف إلى تأمين الطريق للكيان الصهيوني، لتنفيذ مخططاته الخبيثة، أبرزها على سبيل المثال «استعادة أرض الميعاد».

إذًا فمسألة التخلي عن الاتفاق النووي الإيراني تعتبر ذات أهمية كبرى، وكل المعطيات على الصعيد الواقعي ترجح أن نقض الاتفاق النووي يحتمل حدوثه بشكل شبه مؤكد، وأنها مجرد مسألة وقت. الأيام ستثبت صحة توقعاتنا من عدمها. أما بالنسبة لتداعيات نقض الاتفاق النووي، سنحاول تناولها في موضوعنا القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد