يُقصد بالإعجاز العددي: ما ورد في القرآن من إشارات إلى حقائق كونية بطريق الحساب العددي. أو: ألفاظ تكررت في القرآن مرات تتناسب مع معناها.

كثير من الباحثين – قديمًا وحديثًا- بحثوا في تناسق القرآن وانسجامه، من حيث تناسب الألفاظ، وترتيب سوره وآياته، وأظهروا أن القرآن من أوله لآخره هو جملة محكمة لا يشوبها حشو ولا نقص، كالإمام السيوطي في (أسرار ترتيب القرآن)، والإمام الكرماني في (أسرار التكرار في القرآن)، وسيد قطب في (في ظلال القرآن)، والشعراوي في (خواطر الشعراوي)، وكان هذا من حيث المعنى، وما زالت الأمة تنهل وتتدبر ملاحظاتهم حتى الآن.

وقد بدأ منظور جديد لدراسة هذا التناسب في القرآن من حيث الإحصاء، وقد بدأ في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي؛ حيث أرسل إلى قراء البصرة وطلب عدّ حروف القرآن. وحديثًا ازدادت البحوث في هذا المجال بعد ظهور الكمبيوتر، لسهولة وسرعة ودقة الإحصاء.

من أمثلة الإعجاز العددي للقرآن:

– تكرر ذكر (الدنيا) 115 مرة، كما تكرر ذكر (الآخرة) 115 مرة.(1)

– تكرر ذكر (الملائكة) 88 مرة، و(الشياطين) 88 مرة.(2)

– تكررت مشتقات كلمة (الحياة) 145 مرة، ومشتقات كلمة (الموت) 145 مرة.(3)

– تكرر ذكر (إبليس) 11 مرة، كما تكرر الأمر بالاستعاذة 11 مرة.(4)

– تكررت (المصيبة) ومشتقاتها 75 مرة، وتكرر (الشكر) ومشتقاته 75 مرة.(5)

– تكرر تكرر ذكر (الشهر) 12 مرة، بعدد أشهر السنة، كما تكرر ذكر (اليوم) 365 مرة، بعدد أيام السنة. كما تكرر ذكر (اليوم) بالجمع والمثنى 30 مرة، بعدد أيام الشهر.(6)

الإعجاز العددي لرقم 19:

ويولي المهتمون بهذا المجال اهتمامًا كبيرًا بالرقم 19، لوجود عدة ملاحظات عليه:

– ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾، عدد كلمات هذه الآية 19. وعدد حروفها 76، وهو من مضاعفات 19. وعدد الحروف الأبجدية التي تركبت منها هذه الآية هو 19.

– البسملة تتكون من 19 حرفًا.

– عدد حروف الياء والسين في سورة (يس) 285 حرفًا، وهو من مضاعفات الرقم 19.

– عدد حروف القاف في سورة (ق) 57 حرفًا، وهو من مضاعفات 19.
– تتكرر البسملة 114 مرة في القرآن، ورغم أن أول سورة التوبة لا تحتوي على البسملة، إلا أن سورة النمل تحتوي على بسملتين، والعدد 114 من مضاعفات 19.

– بين البسملة الناقصة في سورة التوبة والبسملة الزائدة في سورة النمل يوجد 19 سورة.

– أول آيات نزلت على النبي من سورة العلق تتكون من 19 كلمة. كما أن سورة العلق تتكون من 19 آية. كما أنها وضعت في الترتيب رقم 19 من آخر القرآن.

انتقادات على الإعجاز العددي في القرآن:

أولًا: عند النظر في مصطلح (الإعجاز العددي) نجده يتركب من جزأين: الإعجاز، والعدد. والأمر المعجِز في القرآن: هو ما يعجز كل الجن والإنس مجتمعين على أن يأتوا بمثله. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، وتساوي ذكر كلمتي (الرجل) و(المرأة) في القرآن، أو تساوي ذكر (الدنيا) و(الآخرة)، هذه الأمثلة ونحوها لو سُلِّم بصواب عَدِها، فهي ليست مما يندرج ضمن الأمور المعجزة التي لا يُقدر عليها؛ لأنه بوسع أديب أن يؤلف كتابًا ويتعمد أن يراعي تساوي عدد مرات لفظ الرجل والمرأة، أو لفظ الدنيا والآخرة، أو لفظ الملائكة والشياطين، إذًا فهو ليس أمرًا معجِزًا.

ثانيًا: مما يلاحظ على هذا المجال أنه يفتقر إلى المنهجية العلمية التي تحكم مساره وتضبط أبحاثه، ومن صور افتقاد المنهجية اعتماد بعض دراساته على مسائل خلافية متصلة بالقرآن التي لم يزل الخلاف فيها بين أهل العلم قائمًا، كما تعتمد بعض الدراسات على بعض ما أُحدث في المصحف من الأحزاب والأجزاء، وهذا خلل منهجي خطير؛ لأنها تلصق البشري بالمقدس، واجتهادات العلماء لجمع وترتيب ورسم القرآن بالقرآن نفسه، وبذلك فنتائج البحث في هذا المجال تُبنى على صنع بشر مما يفقدها قيمة الإعجاز.

ثالثًا: مما يلاحظ أيضًا على نتائج الأبحاث في هذا المجال أنها ليست ذات قيمة علمية أو دينية أو عملية، ومثال على ذلك مما يعد من الإعجاز العددي: تكرار رقم 19 في القرآن ومضاعفاته. فهذا التكرار على فرض التسليم بصحة الإحصاءات حوله، ما نتيجة هذا التكرار؟ ما فائدته؟ ما دلالته؟ فهو تكرار بلا أهمية أو نتيجة أو دلالة أو فائدة علمية أو دينية أو أخلاقية أو على أي مستوى، فضلًا عن أنها ليست أمرًا معجزًا في ذاتها، فأين هذا من وصف ربنا لكتابه الكريم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾؟!

رابعًا: تقوم الدراسات العلمية على السير من الأدلة والإحصاءات إلى النتيجة – أيًّا كانت– أما أن تقوم الدراسة على قناعات سابقة، ثم التفتيش بين الإحصاءات على ما يقرر هذه النتيجة، فهو ليس بحثًا علميًّا يرتضيه العلم والدين، أو يليق بقرآن عظيم. ومما يلاحظ على دراسات هذا المجال هو تكلف الباحث في البحث والاستنتاج ليصل إلى نتائج مقررة عنده سلفًا، ومن أمثلة ذلك: قولهم بأن لفظ (اليوم) ذُكر في القرآن 365 مرة، وهو عدد أيام العام. فقد تم جمع لفظي (اليوم) و(يومًا)، وتُرك (يومكم) و(يومهم) و(يومئذ)؛ لأنه لو أضاف تلك الألفاظ لاختلف الحساب الذي يريد أن يصل إليه!، وكذلك الحال عند القول: بأن إبليس تكرر ذكره في القرآن (11) مرة و(الاستعاذة) من الشيطان تكررت (11) مرة، فقد أدخلوا في الإحصاء كلمتي (أعوذ) و(فاستعذ)، وتركوا (عذت) و(يعوذون) و(أعيذها) و(معاذ الله)!، وبذلك فمنهجية البحث ونتائجه خاطئة.

خامسًا: انعدام المنهجية العلمية لهذا المجال جعل أي شخص قادرًا على استنتاج أي شيء من القرآن! ومن ذلك العبث ما تردد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد استدل البعض عليها بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

هذه الآية وردت في سورة التوبة، في الجزء الحادي عشر، من السورة التاسعة، وترتيب الآية 110.

وقد ربطوا بين الآية والحادثة بأن:

الجزء الحادي عشر.. هو يوم الحادثة!

السورة التاسعة.. هو شهر الحادثة!

الآية 110.. هو عدد طوابق مبنى التجارة العالمي!

واللافت هو مقارنة أرقام منتقاه تتعلق بالسورة مع أرقام محددة تتعلق بالحادثة، ونتسائل لماذا لم يقارن عدد الضحايا، أو رقم الرحلة، أو ساعة الحادثة، أو عدد كلمات الآية، أو حروفها، أو سنة نزولها، أو… أو…؟

وبهذا الربط العشوائي استنتج البعض أن القرآن تنبأ بتفجير برجي التجارة العالمي!، وتنبأ آخرون بآيات أخرى بزوال دولة إسرائيل!، وتعدى آخرون إلى تحديد يوم القيامة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. (الإعجاز العددي للقرآن الكريم) ص7.
2. المصدر السابق
3. المصدر السابق
4. المصدر السابق
5. المصدر السابق
6. المصدر السابق
عرض التعليقات
تحميل المزيد