الخامس عشر من مارس (آذار)، هذا اليوم سيظل عالقًا بذاكرة العديد منا، في هذا التاريخ حدثت مجزرة في نيوزيلندا في حادث اعتداء إرهابي على مسجدين في مدينة كرايست تشيرش من قبل أحد المتطرفين اليمينيين المدعى «برينتون تارينت» أودى إلى الآن بحياة ما يقرب من 50 شخصًا آخر الإحصاءات وقت كتابة هذا المقال(1).

لأول وهلة عند سماعي الخبر شعرت كما شعر العديد من المسلمين باليأس، والذل، والخضوع وكل الصفات المشابهة مما تحتويه لغتنا العربية، تلك اللغة التي تندثر تحت وقع الأقدام وتاريخنا، وحاضرنا، وديننا، ذلك الشعور المقرف بالضياع، الإحساس بأن جميع الأمم في العالم وجدت نفسها شيئًا فشيئًا.

فمع عودة الحضارة الآسيوية إلى سابق عهدها، أما الحضارة الغربية وهل يخفى القمر، نجد في الوقت نفسه حضارتنا الإسلامية العربية، أو بالأحرى لا نجدها سوى في كتب التاريخ وعلى النت في ويكيبيديا؛ لكي نقرأ عن أيام خالد بن الوليد، وعبد الرحمن الفاتح، ويوسف بن تاشفين، وغيرهم من القادة الذين لم يعد لهم وجود سوى في الأحلام، أما واقعنا فهو مليء بمدننا المخربة، وحكامنا المستبدين، وواقعنا المزري، وحتى هؤلاء الخمسين ممن نجحوا بالفرار من جحيمنا هذا للعثور على حياة كريمة في وسط جزيرة في نهاية العالم، إذا بشبح الجحيم والمعاناة يلاحقهم إلى نهاية العالم، على يد هذا المجنون المحمل بالكراهية.

فمن قد يقتل عشوائيًّا هكذا إلا إذا كان مصابًا بالجنون، أو هكذا ظننت، فبعد بحث عنه وجدت أن هذا الأسترالي هو أحد أفراد عائلة أسترالية متوسطة الدخل كان يعمل كمدرب رياضي في إحدى قاعات الرياضة، وكان معروفًا وسط أبناء مجتمعه، معروفًا عنه الإخلاص بعمله، وكان يشترك في برامج مجانية لتعليم الأطفال في مدينته(2).

لعل بداية تحوله كانت عندما بدأ بالقراءة على النت عن تاريخ الحضارة الغربية، وعن أمجادها، وعن صولة أجداده الأوائل في الدفاع عن أصولها عن نفسها ضد الغزو الإسلامي؛ فأبدى إعجابًا بأبطالها ممن ضمنوا استمرارية الحضارة فممن كتب أساميهم على سلاحه كان شارل مارتيل(3) حاكم فرانكيا الذي قاد معركة بلاط الشهداء التي هُزم فيها المسلمون هزيمة نكراء، وحفظ الحضارة الغربية بذلك من الضياع، وحافظ على النساء الأوروبيات من أن ينتهي بهن المطاف سبايا عند العرب والبربر، تأثر كذلك معركة ليبانت بين الأسطول العثماني وتحالف بين إمارات إيطاليّة وإسبانيّة، وحصار فيينا الذي أوقف زحف الدولة العثمانية باتجاه أوروبا(4)، وممن كتب اسمه في إعلانه الذي نشره كان أسماء الذين دهسوا بشاحنة في استوكهولم في 2017، وكانت بينهم طفلة في الحادية عشرة، وغيرها من الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها أوروبا في هذه السنين(5).

كان برينتون يرى أن أوروبا تتعرض إلى الغزو من جديد، وهذه المرة بدون قائد تاريخي ليحميها؛ فذكر في إعلانه الذي أصدره قبيل المجزرة عن رحلته إلى فرنسا فوجد فيها نسبة الغزاة – كما يطلق عليهم- أكثر من الغرب البيض، ويزداد معه شعور بالحقد والكراهية؛ فهو يرى أن تاريخ وحضارة الغرب البيض تندثر ولا أحد يفعل شيئًا، يقول إنه اختار نيوزيلندا لإيصال رسالة بأن الحضارة الغربية تتعرض للغزو حتى في أقاصي العالم في جزيرة نائية، وأنهى إعلانه بأنه لا يشعر بالندم إن نجحت العملية وتمكن من الغزاة، وإما قبض عليه أو قتل فهو يأمل لقاء رفقائه في فالهالا (جنة الأسكتلنديين القدماء).(6)

سؤال يدور في ذهني، كم نسبة التشابه بين هذا التطرف والمتطرفين لدينا؟

فكما أن العديد من أبناء مجتمعنا يقرأون عن أمجاد حضارتنا عن أيام خالد، وعبد الرحمن، وطارق وغيرهم من قادتنا العظماء وعن أيام كنا قريبين فيها من فتح أوروبا بأكملها، وما نعيشه اليوم من المذلة والهوان من أبناء جلدتنا، وبإشراف ومساعدة القوى الغربية مما قد يقود بعض شبابنا إلى أعمال متطرفة في العالم الغربي لبعث رسالة، يوجد في الطرف الآخر ممن يقرأ ويتغنى بأيام شارل مارتيل وغيره ممن وحدوا وحموا أوروبا وتاريخها وهم يرون اليوم بلدانهم وحضارتهم الغربية البيضاء -من وجهة نظرهم- تتعرض إلى الغزو من قبل بلداننا العربية والإسلامية فتمتلئ بالمسلمين والعرب أصحاب البشرة الملونة؛ فيقودهم ذلك إلى أعمال متطرفة تجاهنا لإرسال رسالة، لعل كل ما يفرق بين المتطرفين بين الطرفين هو مكان نشأتهم، وانتماؤهم، وألوانهم، لعلهم متشابهون أكثر مما يظنون.

لعلها هي سنة الحياة تتوق إلى الصراع كما نتوق إلى الهواء، لعل القادم وما ينتظرنا مليء بالحروب والمعارك، لعل مذابح عديدة يجري الإعداد لها الآن في مختلف أنحاء العالم بأفكار مختلفة، ولكن بمبادئ متشابهة، لكن نرجو أن يكون للأجيال القادمة رأي آخر لتجعل القادم عصر سلام، واستقرار، وتقدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات