يحكي بلال فضل في مستهل حديثه عن حكاية فؤاد المهندس التي قصها في برنامج «الموهوبون في الأرض»، قصة شهيرة تتعلق بأحدث يناير (كانون الثاني) 1977 التي أطلق عليها السادات اسم انتفاضة الحرامية، حيث إنه قبلها بعدة أعوام كان فؤاد المهندس زوجًا لشويكار، وكانا يعملان معًا بإحدى المسرحيات، عندما بدأت الصحافة في النشر اليومي عن حجم الذهب والثروة التي تمتلكها شويكار، وكانت الجرائد في هذا الزمان معدودة، والأخبار تصل لكل الناس، فكان يقال في الجرائد إن لدى شويكار عقدًا بالشيء الفلاني، أو أسورة بالسعر الفلاني، أو ترتدي فستان بالشئ الفلاني، أو حذاء من البلد الفلاني، كما نشروا ذات مرة انها تعرضت لحادث سرقة في المسرح، سرق منها صندوق به مجوهرات بأسعار خيالية، وقتها كان لسان حال البعض «لو كان ده اللي اتاخد من المسرح، اومال اللي في البيت أد إيه؟» والكثير والكثير من الأخبار بهذه النوعية، بالذات في 1972 و1973، وتدريجيًا توقف النشر عن الموضوع.

وتمر الأيام، ولكن هذه الأخبار، وما ولدتها من انطباعات في عقول الناس، لا تمر، تظل مختزنة في العقول حتى يأتي يوم الانتفاضة، وبينما يتحرك فؤاد المهندس بسيارته بأحد شوارع القاهرة، يتعرف عليه المتظاهرون، فيوقفون السيارة ويحطمونها، ويتلقى هو نفسه علقة ساخنة تتكسر لها عظامه، وهم يهتفون: «يا حرامي، جبت دهب مراتك ده منين يا حرامي؟ ياللي سارقين البلد… إلخ». ينجو فؤاد المهندس من بين أياديهم بصعوبة، ويحمل إلى المستشفى.

أحكي هذه الحكاية بمناسبة ما يسمعه ويشاهده المصريون يوميًا عن سفه الفنانين في الجونة وفي الحياة عمومًا، بمناسبة ما يسمع عنه المصريون من النهب، والفساد، والإسراف، الذي يوصم به رجال الأعمال وكبار رجال الدولة كل يوم بمجتمع يغوص في بحر من رمال الفقر، والجوع، والمرض.

فالبعض قد يتعجب من سلوكيات وتعليقات عموم المصريين من المواطنين على العديد من القضايا ويصفها بالانحطاط، سواء في القضايا الدينية أو الفكرية أو الجنسية، كما يتعجب من حالة الغضب والحقد التي تقفز من كل حرف يكتبونه أو ينطقون به، ولكن هؤلاء لا يتصورون الوقع المعيشي لعموم المصريين، وأقترح عليهم تصور مشهد شاب عشريني يعمل سائق توك توك كي يصرف على عائلته، التي تسكن حجرة وصالة ودورة مياة مشتركة مع آخرين، بعد أن سمحت له «التكنولوجيا» بأن يكون له أكونت على «إنستجرام» أو «فيسبوك»

حيث يبدأ هذا الشاب في الدخول إلى الأكونت عبر تليفونه الرخيص إن أمكن له توفيره، أو عبر كومبيوتر صديقه، أو مشاهدة الأكونت مع عدد من أصدقائه على تليفون أكثرهم غنى، ليبدأ في متابعة مظاهر الترف والغنى الفاحش التي تتمتع بها الفئة العليا من المجتمع، ويقارنها بحاله وأسرته وأصدقائه، يرى الثراء السريع الذي وصل له البعض في سنين قصيرة ويتساءل كيف حدث هذا؟ يسمع من أصدقائه عن ابن شارعهم، أو قريتهم الذي كان ضد الفساد ثم تم اعتقاله، أو أحرق نفسه، أو هرب لخارج البلاد، لتنطبع كل هذه المشاهد والانطباعات الناتجة عنها في عقول وذاكرة هذا الشاب، وعقول الملايين غيره، وتظهر تجلياتها بشكل عابر في المناقشات التي نراها على صورة فنانة أو في التعليقات على خبر بأحد المواقع، لتنتظر اللحظة المناسبة للانفلات والتعبير عن نفسها بشكل فردي أو جماعي على شكل عنف لفظي أو جسدي.

يا من تسكنون بالأعلى! أنتم من يصنع هذا العالم الكريه الذي تنتقدونه وتشمئزون منه، أنتم المسئولون عن حالة الحقد والكراهية التي تتعجبون من تجلياتها. يا من تسكنون بالأعلى.. أنتم من يهدد السلم العام ويخلق الإرهاب، يا من تسكنون بالأعلى! أنتم من يصنع عالمًا لا يمكن لنا ولكم الحياة فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد