يوم الثالث والعشرين من نوفمبر في الجزائر، يوم تاريخي، فكيف لا وهو اليوم الذي عرف تصويت نواب البرلمان الجزائري على شروع قانون المالية للسنة القادمة 2017، قانون جعل من جيب المواطن البسيط، الذي أنهك الفقر وسياسات الحكومة جلده حتى العظم، البديل عن النفط والغاز الذين يعتبران أهم ما تصدره الجزائر منذ استقلالها.

قانون المالية لسنة 2017 عرف جدلا كبيرا نظرا للضرائب والزيادات التي عرفها، إذ تشهد الجزائر منذ سنتين سياسة تقشف، وصفت بأنها مرحلة جديدة في نهب خيرات البلاد، نظرا للإبهام الذي حام حولها، فالجزائر كانت -أو حسب ما كان يصرح به مسؤلو الأمس-  بعيدة عن الأزمة، وقت كان تنفق فيه الملايير تاركة أثر الفراشة في السماء.

بعودة إلى الحاضر تاركين الأمس يغفو في نومه العميق، دون أن يحيي في ضمائر الجزائريين شعبا كانوا أم مسؤولين، سؤالا عن 800 مليار دولار التي تبخرت في السماء في عهدات بوتفليقة الأربعة، دون أن تترك الأثر المرجو مثلما حولت ملايير أبو ظبي الإمارة من صحراء قاحلة إلى جنة قاطبة، قانون المالية هذا كرّس سياسة الظلم والحقرة وابتعد كل البعد عن السياسات الرشيدة والحكيمة التي توفر التنمية الشاملة والعدل السامي وبالتالي الأمن والسلم الاجتماعي والسياسي، لا يعقل أن تحتكر الثروة أقلية وتفرض الضرائب على الفقراء ليزدادوا فقرا على فقر.

قانون المالية هذا ساوى بين الجزائريين في شيء كان لا بد وواجبًا أن لا يتساوى فيه الجزائريون، إذ أصبح مواطن يعيش تحت خط الفقر بكيلومترات طويلة، يلزمه دفع مبلغ خمسة ملايين سنتم، ضريبة على جواز السفر، مثله مثل الملياردير حداد أو ربراب… واختر من أمثلة البو كرش ما تختار.

قانون المالية هذا سيعجل برجوع الإنسان، والمواطن الجزائري بالخصوص إلى العهد الحجري، عهد العيش على الرعي والطهي على الخشب، والتنقل على الجمال، بعد أن صار التفكير في توفير الوقود للسيارة مثلا أكثر من التفكير في امتلاكها، وهذا ما سيطرح على حوالي 13 مليون جزائري (ثلث) الشعب الجزائري من انتهاج منطق الخيمة والنخلة والمعزة خير من سيارة أودي وفيلا هرموزا وأكل الكر وفات، بهذا المنطق جعل قانون المالية الجزائريين يسيرون نحو العصر الجاهلي في وقت تسبح فيه الدول المتقدمة في الحضارة والتطور.

في وقت يهيج العالم ثأثرا بالحرائق التي التهمت المستوطنات الصهيونية في فلسطين المحتلة، وتسلط كبرى القنوات الفضائية والإعلام الغربي والعربي عدساته حول الأرض المشتعلة، يعيش الجزائري حريقا من نوع آخر، حريق التهم بطنه وقوت يومه دون رقيب ولا حسيب، حريق إسرائيل وجد تضامنا غير مسبوق، فسارعت معظم الدول في عرض خدماتها على الصهاينة في إخماد لهيبه، بينما نار لهيب وصراخ وعويل الجزائريين من الحريق الذي أشعله النواب الذين أوصلهم بنفسه إلى تلك القبة، ضانّا لوهلة أنهم هناك للدفاع عنه ولتوفير حياة كريمة لأبنائه، لكنّ من انتخبهم خدلوه.

من سيخمد نيران قانون المالية، ويسكت معها صرخات الفقراء الذين تفحموا بهذه النار دون أن تدخل حيّز التنفيذ أصلا.

قانون المالية الجديد كشف عن نيّة مبيّتة من الحكومة على سلخ المواطن ومعاقبته أشد العقاب على عدم إيجاد حلول للأزمات والصراعات التي يتخبط فيها النظام، الحكومة وعت جيدّا أن شعبا لا يفقه أو لا يعي أو بالأصح لا يهتم ببلده سوى في مناسبات كرة القدم، يستحق أن يذل في قوته وفي كل شيء، فأشعلت حريق البرلمان لكي تقول لهذا الشعب إن لم تمت بنار الرصاص عذّبت بغيره، فاللهم إنّا نسألك سؤال سيدنا إبراهيم لما وضع في نار حارقيه.. يا نار كوني بردًا وسلامًا على الجزائريين!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد