خرج علينا تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميًّا بداعش بتسجيل لحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًّا؛ مما أثار حفيظة الكل، وظهر هذا جليًّا في التداول الدولي للأمر وفي التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بين موجات التعاطف مع القتيل وموجات التأييد لفعل الحرق نريد فهم الحدث فهمًا حقيقيًّا لا مغالاة فيه، مع تنحية بسيطة لهذه المشاعر المتأججة.

منذ أيام أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن هزيمة داعش في مدينة كوباني السورية على يد القوات البشمركية الكردية، وقد وصف الهزيمة بالحاسمة.

ذكر أيضًا المتحدث باسم الجيش الأردني مُعلقًا على حرق الطيار أن ما حدث تم في اليوم الثالث من يناير، أي منذ شهر. لماذا خرج علينا التنظيم بتسجيل الحرق الآن؟

ألا نرى العلاقة بين كوباني وبين قتل معاذ حرقًا؟

أعلم أن هناك حديثًا عن أن كتب التراث الفقهي الإسلامي والأدبيات التي يستلهم منها التنظيم منهجه فيها ما يؤيد فعل الحرق، وذكر لمواقف لكبار الصحابة كأبي بكر وعلي ممن قاموا بنفس الفعل، وقد نفى الشيخ الحبيب علي الجفري هذا، وتكلم تفصيلاً عن أن سندها ضعيف، وأن راوي هذه الأحاديث لا يؤخذ منه لما عُرف عنه من الكذب والفساد، ولكني لست أناقش الآن صحة هذه الروايات من عدمها لأني أرى حرق معاذ “دعاية” في المقام الأول.

لماذا خرج التسجيل بعد شهر من القتل؟

أجد صلة وثيقة بين هذا وبين هزيمة التنظيم في كوباني، فالتنظيم يقول للعالم أنا ما زلت هنا وأحرق الطيار الذي ضربني بالقنابل أمام أعين العالم، ولن تستطيعوا ردعنا! هذه رسالة داعش للعالم.

أما مباحث الفقه والتراث الإسلامي فلها خبراؤها وميدانها وتستطيع الوصول للنصوص والمصادر بكل سهولة إذا أردت على جوجل.

نشر الرعب والفزع طريقة حربية مُجربة، وهناك إشارات لها في القرآن والسنة “سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ”، “وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ”، وفي الحديث قال النبي: “أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر…”.

وهكذا نفهم لماذا تذيع علينا داعش مناظر القتل والحرق ليراها العالم، فداعش ببساطة لا تقلق من اعتبارها جماعة لا إنسانية ولا تهتم برأي أحد، هي تريد النصر بالرعب وإشعار الجميع أنها مسيطرة باقية وتتمدد.

أما عن الكلام في بطولة الطيار فهذا أمر مهم أيضًا، ولنضرب مثالاً للتقريب لكي لا يختلط الأمر.

فلنفترض أن مصر أرسلت جاسوسًا إلى إسرائيل، ما موقفك من هذا الجاسوس؟ وما موقف الإسرائيلي منه؟ أنت تعتبره بطلاً يضحي من أجل وطنه ويستحق كل تقدير وتبجيل، أما الإسرائيلي فيراه مجرمًا يستحق الإعدام. وإذا تم كشف هذا الجاسوس وتم إعدامه كمعاذ ولكن بدون حرق “إعدام يتقبله البشر” هل يكون من المنطقي أن تسب الإسرائيلي الذي يسعد بهذا القرار؟ وهل إعدام الجاسوس فعل غير إنساني؟

الأمر هنا نسبي تمامًا، فهذا الجاسوس بالنسبة لإسرائيل يستحق الإعدام طبعًا، هم لا يعنيهم اعتبارك أنه بطل، هو بالنسبة إليهم عدو يستحق القتل، وفعلهم مُبَرَرٌ تمامًا.

نحن هنا نتخطى الأهواء والانتماءات ونتحدث عن المنطق ليس إلا.

وبالتالي فقتل الطيار الأردني من وجهة نظر تنظيم داعش منطقي تمامًا، فهو كان يحاول قتلهم، ولن تستطيع لومهم إذا قتلوه، أما اعتراض الناس وسخطهم فهو بسبب الحرق ليس إلا، فإذا تم القتل بالمشنقة مثلاً لم يكن ليحدث هذا الجدل والاهتمام الكبير. فالاعتراض الأكبر عند الناس هو على طريقة القتل، وليس القتل نفسه، وهنا نعود لمسألة الدعاية والرعب، لقد نجح التنظيم في فرض نفسه بطلاً لجميع العناوين الإخبارية، هو لا يعنيه أن هذه العناوين تصفه بالإرهابي، هو يهمه الدعاية ونشر الرعب منه، ولقد نجحوا حقًا.

النار لم تكن بردًا وسلامًا على معاذ كما كانت على إبراهيم، لأننا لسنا في زمن المعجزات، كانت لتكون بردًا وسلامًا إذا تم التحرك سريعًا لإنقاذ الطيار وتحريره، ولكنه ليس إبراهيم ولا في زمن إبراهيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد