قامت الثورة السورية قبل أربع سنوات وقد دخلت في سنتها الخامسة منذ أيام قليلة، تطرق كل أبواب الحزن، ثكلى ككل أم في هذه البلد، تكفن أبناءها بعَلَمِها الأخضر ونجومه الحمراء الثلاثة، في كل نجمة دموع لا تُحصى، وآلام لا تُعد.

لا يمكن لثورة أن تقوم بدون الأم، وثورة بلا أمٍ تزغرد لها وتحييها تحية البطلات لا يعول عليها، فإن كانت الثورة أنثى في تركيبها اللغوي، فهي المحطُ والانطلاقة في تركيبها المعنوي، وهي الدافع والمفجرُ في نسيجها الروحي.

الأم السورية ليست مفكرة ولا كاتبة في أغلب البيوت، لكنها ببساطتها صنعت المفكرين الذين قتلوا في السجون تعذيبًا، بطيبتها أنجبت أطيب من في هذه الأرض شهداءها، بصراحتها وصدقها صنعت الأبطال المغمورين.

ربما لو وُضعَتْ جائزة وسميت “يا صبر أيوب” لنالتها أمهات سورية بدون تفكير، بلا منافس، أمهاتٌ لا تقف ألسنتهم تحدث عن أبنائهن الشهداء، الذين رووا تراب هذه الأرض بدماء زكية متصلة بقلوب أمهاتهم، سمعوا خبر رحيلهم عن الدنيا عبر أحد أصدقائهم، فيسألن كيف قتل وأين وما الذي كان يلبسه وهل دفنتموه؟

تُكثر الأم من أسئلتها عن روحها التي خرجت لتدافع عن هذه البلد وأمهات البلد وأطفالها، أم الشهيد لم تبكِ في البداية، حبست دمعتها التي لا تُحبس، استفسرت عن كل شيء، قرأت وصية ولدها البطل، ثم أعادت قراءتها ألف مرة، تشم رائحتها، كل ساعة، قال في مطلعها: “أحبك أمي، وأحب ملامحك كلها، أمي أعلم أنك تحبينني أكثر بكثير مما أحبك، ولكن الله قدر عليّ أن أرحل عن قدميك دون وداع، أمي لا تبكي فأنا بخير في الجنة”، تطوي رسالة قديسها، وتسمح لدمعاتها بأن تنهمر على وجناتها، تبكي شهيدها وتُبكينا.

أما أمهات المعتقلين الذي كُتب عليهم المرار والأمل، اللواتي يقفن أمام دورهن ينتظرن بشوق جارف طلة أحد أبنائهن، الذي خطفه الوحوش من أحضانهن، الأمهات اللواتي لا يتركن معتقلًا أو سجنًا إلا ويذهبن للسؤال عن فلذات أكبادهن، وقد يعرضهن ذلك للخطر والذل والمهانة، لكنه قلب الأم، الذي عُجن برحمة الرحمن عجنًا. يخرج معتقلٌ ما من سجنه، تذهب إلى أمه مُهنئة لها عودة الحياة لها، وتسأل هل رأى ابنكِ ابني؟

كيف حاله، هل خف وزنه، طال شعره، تغير لونه، مرض، عذبوه؟ تحاول جاهدة معرفة كل شيء، تذرف دمعها وتنتظر رؤيته، بأمل الأم.

أمهاتٌ أبناؤهن في خضم المعركة يفصل بينهم وبين الموت عناية ربهم بأمهاتهم وبهم، تأتي شظية أو رصاصة لتجرحه، أمه تعلم بحدسها، لكنها تكذب نفسها، تتعوذ بالشيطان، تتصل به فلا يرد، تقول مشغول بشيء، حماه الله، ساعاتٌ ويأتي النبأ، قلب الأم لا يكذب إذًا، قلب الأم لا يُنجمُ أبدًا يحكي الحقيقة كلها ولكن بلا لسان ينطق. لم يكن جرح الولد جَرحَه بقدر ما جرح في أمه، هو يتألم عن نفسه، وهي تتألم عن ألمه وألمها، بكل آهٍ منه آهات تليها منها.

أمهاتٌ يحملن أطفالهن هربًا من الموت الكبير في بلدهم المحرمة عليهن إلى الموت الأصغر في بلاد اللجوء، تحمل طفلها وأمتعته وهموم الأرض، تمشي هذه الأم في الوحل والطين والغبار والمطر والشوك لتصل إلى بر أمان ما، أرض تحملهم ولا تلفظهم، فقدت زوجها شهيدًا، يتيمها يبكي كأي طفل وهي تبكي ولكن ليس ككل امرأة، هي الآن الأم والزوجة والمربية والعاملة، هي الآن سوريةٌ لاجئة أو نازحة؛ يا عار الكلمات.

تتحمل الأم كل الفواتير، فهي أم الشهيد وزوجة الشهيد وجدة الشهيد وخالته وعمته وأخته وخطيبته، وهي كذلك بالنسبة للمعتقل، والجريح والمفقود.
أما الأم الشهيدة والتي ماتت وفي قلبها ابنها، تسأل الملائكة عنه كل يوم، تراقبه بروحها ولكنها لا تستطيع أن تضمه، يجوع ولدها فيبكي الملائكة معها من حزنها ربما، تبكي القبور أيضًا، حتى في أكثر حالاتها راحةً في السماء أنا متأكدٌ أنها تريد أن تتعب ليرتاح أطفالها، ويواسيها أنّ الذي خلقهم أرحم بهم منها.

بين أمهات سورية معتقلاتٌ أيضًا، ذهبن ولم يعدن ومنهن من قتلن تحت التعذيب، وبقيةٌ جريحات، وما أكثر الحزينات.

القصة طويلةٌ جدًا، لا يمكن حصرها، فالمكلومات والثكالى هم بعدد الشهداء، والحزينات الباكيات بعدد المعتقلين والجرحى، أي بالملايين.

الأم السورية الأكثر إيلامًا وعذابًا في القرن الذي نعيش فيه، الأم الأشد تضحية والتي لا يوجد فضل أكبر من فضلها أبدًا.

فالأم هي من تفتح باب البيت عند الاعتقالات والمداهمات العشوائية لعلها تخفف ولو قليلًا من وطأة عصابات الأمن الذي يظن نفسه داخلًا إلى حظيرة حيوانات لا إلى بيوت لها حُرمات، والأم هي التي تخرج لتجلب الطعام لأطفالها في المدن المحتلة، وهي من تعود وتطبخ وهي من تتحمل تذمر الرجل بجلوسه الطويل بلا عمل وبلا أشغال خشية اعتقاله أو إصابته بأذى، الأم السورية هي من يجب أن نقبل يديها وقدميها كل يوم، التي محالٌ أن تستمر الثورة من دونها.

الأم السورية هي التي تطوف في دول اللجوء تبحث عن عمل لتكنس بيتًا أو تمسحه وهي من كانت سيدة في بيتها ولكن الجوع يجتاح عروق أبنائها؛ وهي من تذل كل يوم بشتائم الجيش العربية في دول الجوار، الأم السورية هي التي لا نوم مريح لها وأحفادها بين يديها صغارٌ يبحثون عن أبيهم ولا جواب، فهي لا تعلم إن قتل تحت التعذيب، ثم تمسح دموعها بإيشاربها الريفي الأبيض لتهمس يا رب.

هذه الأم من يجب أن تُقدس وتعظم، لا بيوم واحد أو بعيد أو ذكرى، بل بعودتها عزيزة كريمة إلى حضن أبنائها المتفرقين بين الجبهات والمستشفيات والسجون والمهجر؛ ولتقرأ الفاتحة لمن في المقابر.

تلك هي أمنا الثورة، وأمهاتها، فكل عام وأنت بخير وحرية يا أم الشهيد وأم المعتقل، وأم الجريح وأم المشرد، وإلى الشهيدة الأم السلام، والمعتقلة الأم الحرية، والجريحة الأم الحياة، والمشردة الأم العودة. يا أمًا صابرة رغم المحن والكوارث والحادثات يشع من وجهك النور كل النور، والعبق والنضارة والضياء، طبت في الحياة وفي الممات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد