(11 سبتمبر، شارلي إيبدو، هجمات باريس، تحطم الطائرة الروسية، مكملين، تحرير بابا عمرو للمرة الخامسة عشرة، مقتل السفير الروسي في أنقرة… إلخ إلخ).

متى سنكف عن الابتهاجات السطحية التي تخدر ضمائرنا، ولا تنفعنا لا في حاضرنا ولا مستقبلنا؟ متى سنسلك الطريق الطويل الشائك المثمر، ونكف عن اقتحام السبل القصيرة بعنترية جوفاء وفكر سقيم عقيم، يهدر دماءنا وحياتنا ويوردنا المهالك؟ متى سيقلع أحدنا عن التوهم بانقلاب الحال بين ليلة وضحاها، دون أن يفعل شيئًا في محيطه ولا في نفسه؟

يا قومي، احتفظوا بصورة لعيني مقهور، ارتشفت ماء وجوهكم يوم رأيتم وجهه المعفّر برماد بيته، المهدَّم على رؤوس أطفاله، واكتفيتم بالمشاهدة والخذلان، تنظرون إليها كلما قرأتم فكرة لا تناسب هواكم وما وجدتم عليه آباءكم وكبراءكم.
يا قومي، إذا ما أعجبتكم أعمالكم وطغت أنفسكم، أروها صورة إيلان الموسَّد على شطآن الهجرة القسرية والنذالة الدولية، ووجه عمران المدمّى، وحمزة الذي أطلق الغضب الكامن في صدوركم ذات مظاهرة وحرية. انظروا في حفرات قلوبكم إلى كل الذين لم تفعلوا شيئًا لصرخاتهم وهم تحت جبروت الطغيان.

يا قومي، لا تنسوا النظر كل حين إلى (شام) كيما تروا في عينيها جمال سوريا وبراءتها وفجرها القريب إذا ما آمنا وعدنا إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها.
يا قومي، إذا شحّت أنفسكم فانظروا إلى ما صار إليه بعض أصحاب العمارات والمصانع والملايين.

يا قومي، سارعوا إلى رؤية ذلك الشاب الأبي الذي استشهد بعد أن مزّق بقدمه صورة الأسد ومزق معها الخوف الأزلي من الفرعون في قلوبكم، كلما رأيتم رمزًا فكريًا أو دينيًا أو سياسيًا يستبد برأيه ويقول لكم «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».

يا قومي، تذكّروا كلما قيدتكم شهوة أو شد أسركم هوى أنّ في معتقلات الطغاة أخوات لكم، لا يحررهن إلا حر يأنف الذل.
انظروا في عيني حجي مارع (عبد القادر الصالح)، كلّما خادعتكم العمائم وألقاب الدكتوراة والأستذة.
انظروا في عيني (أبو الفرات) في مدرسة المشاة وهو يشفق على أعدائه الصّرعى، كلما استيقظت شهوة الانتقام في قلوبكم وانتصرت عليكم صبغة الطغاة. انظروا في عيني (أبو يزن الشامي) كلما سلكتم طريقًا خاطئًا وترددتم في العودة والتوبة.

أنصتوا إلى صوت شهيد الكلمة (محمد السعيد) في وصيته الأخيرة قبل أن يرتقي «وكلكم آتيه يوم القيامة فردًا».
كلما خفتم على أنفسكم من ألم الخروج عن القطيع.
انظروا في عيني (أحمد أبازيد) واقرؤوا كلماته لتروا كيف يمكن أن تجتمع العذوبة والعنف في روح واحدة. انظروا في عيني (هادي العبدالله) لتروا كيف يكون الإصرار على متابعة الطريق رغم كل شيء، كلما آلمتكم أشواك الطريق الطويل.

يا قومي، استذكروا دموعكم يوم محرقة حلب، ومجزرة كرم الزيتون، ومجاعة مضايا، ومحرقة دوما، وخذلان داريا. استمطروها كل حين، وأوقدوها نارًا ونورًا، نارًا على من يعتدي، ونورًا للناس. ارحموا ضعفهم واعذروهم،
ولا تقولوا «أنا خير منه» كلنا من تراب إلى تراب. يا قومي، أنيبوا إلى ربكم من قبل أن يأتي يوم نقول فيه:

أغيثوا أطفال القاهرة.

عمان تحترق.

مكة تستغيث.

أنقذوا ما تبقى من دبي.

«واتّبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون».

«ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم».

{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد