تأتي مقاطعة المصريين للانتخابات البرلمانية الأخيرة، كقبلة على جبين ثورة يناير المغدورة، ورسالة لأهل يناير؛ تنتظر من يقرؤها، ويفهمها. ليس في هذه الرسالة شفرات ولا طلاسم، ولكنها واضحة وضوح الشمس. فما من شك بأن الشعب قد سحب الثقة من الثورة المضادة؛ وقادتها، وأحزابها، وإعلامها، وأزهَرها، وكنيستها.

 

 

 

 

وكما بدأت ثورة يناير عفوية بدون قائد وبدون أيديولوجيا، كانت المقاطعة عفوية بدون ترتيب ولا تنظيم ولا تأطير. فكانت مقاطعة شعبية بامتياز، لا فضل فيها لحزب أو جماعة، وعبَّر فيها الشعب – بكل وضوح- عن إحباطه ويأسه، من المسار الحالي.

 

 

 

 

يا أهل يناير.. الشعب محبط ويائس، ويبحث عن أمل جديد. ولكن تذكروا أن شعبنا لا يحب البحث طويلا. وتذكروا أيضًا أن شعبنا رزقه واسع، وسرعان ما يجد من يحنو عليه، ويخادعه لفترة من الزمن. والنظام يجيد هذه اللعبة أفضل مما يجيد الأطفال لعبة المزرعة السعيدة. ورصيد الحنان والفنكوش عند النظام يكفي لشحن قلوب المواطنين الشرفاء لسنين أخرى قادمة. فاكسروا بالله عليكم هذه الدوامة، وهبوا لاغتنام الفرصة.

 

 

 

 

 

يا أهل يناير.. هاهي الفرصة تناديكم. وها هو شعبكم مستعدًا لأن يسمع لكم من جديد. فلا تخاطبوه بلغة السياسة، ولغة المصلحة، ولكن خاطبوه بلغة الشفقة والمحبة. لا تخاطبوا الناس باللوم والتقريع، ولكن ببث الأمل والبشرى.

 

 

 

 

خاطبوا العقول والضمائر، فلعلها أفاقت من غفلتها. ولعل هذا هو الوقت المناسب، لنذكر الشعب المصري بأن هناك أكثر من 40 ألف نفس في السجون بتهم ملفقة. وأن وجود هؤلاء في السجون لن يزيد رزقه، ولن يخفف من معاناته، ولن يرفع من مرتباته. لعل هذه هي الفرصة المناسبة، لنذكر الناس بأن هناك آلاف الشهداء الذين قتلوا أو أعدموا بدم بارد، دون أن تتقدم مصر خطوة واحدة إلى الأمام.

 

 

 

 

 

يا أهل يناير.. رسالتي هذه – وإن كانت لا تستثني أحدًا – إلا أنها موجهة بالأساس لمن لا ينتظر قيادة تحركه، ولا يرى أن أحدًا وصيٌّ عليه غير ضميره. هذه رسالة إلى أهل يناير، الذين لم يحلموا يومًا بالسلطة، ولم يبكوا عليها؛ ولكنهم حلموا بمستقبل أفضل لهم ولأولادهم، وبدولة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. فتحول الحلم إلى كابوس، بجهل الجاهلين، وطمع الطامعين، وخيانة الخائنين.

 

 

 

 

كنت ولا زلت أراقب على مدى أكثر من عامين المحاولات الفاشلة لتوحيد قوى ثورة يناير من جديد. ويمكنني أن ألخص أهم أسباب فشلها فيما يلي:

 

 

 

 

 

 

  • الاختلاف على شكل الحكم بعد زوال الانقلاب (في جملة واحدة؛ نزاع على تقاسم الغنائم).
  • حسابات الماضي وتحميل كل طرف للآخر المسؤولية كاملة عن فشل الثورة.
  • غياب القيادات القادرة على تجاوز خلافات الماضي.
  • انعدام الثقة بين رفقاء الميدان.
  • إصرار كل طرف على فرض أجندته كاملة على الآخرين.
  • الخوف الشديد من بطش النظام، يؤخر استجابة أطراف بعينها لأي اصطفاف.

 

 

 

 

 

وفي رأيي المتواضع أن هذه المعضلة لا يمكن حلها في الغرف المغلقة، ولا بالبيانات، والبيانات المضادة، ولا حتى بتشكيل الكيانات والائتلافات. ولكن الحل يجب أن يكون بتحديد (بنك أهداف) مشترك، يتضمن مجموعة أهداف (مرحلية) و(عامة) يمكن أن يشارك فيها الجميع، كلٌّ من موقعه. وليكن أهم ما يميز هذه الأهداف:

 

 

 

 

 

 

 

بساطتها وعموميتها، وسهولة التفاف قطاعات واسعة من الشعب حولها. وليتحرك كل من يشعر بالانتماء لثورة يناير نحو تحقيق هذه الأهداف بطريقته الخاصة، وبدون انتظار إذنٍ من أحد، كائنًا من كان. وليستعمل كل فرد، أو حزب، أو حركة؛ قدراته وإمكانياته، في تحقيق هذه الأهداف.

 

 

 

 

 

 

فأمامنا أهداف كثيرة نؤمن بها ونُجمع عليها، أذكر منها ثلاثة على سبيل المثال لا الحصر:

 

 

 

 

 

 

  • العمل على إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في مصر بدون تمييز.
  • المطالبة بلجان تحقيق (محلية – دولية) للتحقيق في أحداث القتل في كل المجازر التي شهدتها الثورة خصوصًا المشهورة والموثقة منها.
  • إلغاء القوانين الجائرة مثل قانون الخدمة المدنية وقانون التظاهر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا يعني الانشغال بهذه الأهداف نسيان الأهداف الكبرى أبدًا، أو التنازل عنها. ولكن وضع أهداف مرحلية شيء مهم، نفتقده في مسار ثورتنا المتعثر. والنجاحات الصغيرة تمنحنا الأمل، وتعيد إلينا الثقة بأنفسنا، وبشعبنا. والأهداف الصغيرة في النهاية تصب في صناعة النجاح الكبير. تذكروا أن مطالب الأيام الأولى من ثورة يناير كانت متواضعة جدًّا، (مثل إقالة وزير الداخلية). أما أهم ما يمكن إنجازه من العمل الشعبي، على مثل هذه الأهداف فيكمن في الآتي:

 

 

 

 

 

  • عودة الروح إلى ثورة يناير.
  • إيجاد فرص للعمل المشترك بين مكونات مختلفة سياسيًّا وأيديولوجيًّا.
  • التمدد الشعبي للثورة من جديد.
  • خلق قيادات جديدة.
  • إشغال النظام في مواجهات متعددة الجبهات ومتنوعة الوسائل.

 

 

 

 

 

 

يا أهل يناير.. لا تنتظروا قيادات عاجزة لتخرج لكم بـ(وصفة سحرية) للحل أو (اتفاق جامع) يلم الشمل. فلقد رأينا بأعيننا كيف ضيع هؤلاء فرصًا سابقة، ولحظات فارقة، في تاريخ ثورتنا، أذكر منها:

 

 

 

 

 

  • المقاطعة الشعبية لانتخابات الرئاسة.
  • انتفاضة طلبة الجامعات لعامين دراسيين.
  • براءة الرئيس المخلوع حسني مبارك ورموز نظامه.

 

 

 

 

 

يا أهل يناير.. أقول لكم: تذكروا، أن كل هذه القيادات تقريبًا لم تكن موجودة كـ(قيادات) قبل ثورة يناير. وأن الثورة صنعتها والجماهير صنعتها. وأن انتظارنا صنعها، وتعليق الآمال عليها صنعها.

 

 

 

 

 

وعليه؛ فمن الحمق والعجز الانتظار حتى يخرج علينا أحد بمعجزة، أيا كان فردًا أو حزبًا. وإذا كان الله – سبحانه وتعالى- لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فليعمل كل منا وسعه، وليبذل جهده. وأبواب العمل كثيرة ومتنوعة، والفرصة سانحة. وفك الله أسر القائل: أدركوا اللحظة الفارقة…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد