لا تقف كثيرًا أمام هذه العبارة، فما قد يرد تاليًا قد يكون أكثر غرابة وحيرة، فإنك تقرأ مشاهد مكتوبة عن العراق، هذا البلد الجامع لكل التناقضات.

فقد استبدل الحزب الشيوعي العراقي بشعاره العريق المنصوص عليه بــ«يا عمال العالم اتحدوا» شعاره الجديد الذي اقتبسته عنوانًا لهذا المقال، «يا عمال العالم صلوا على محمد».

هذا ما يتندر به العراقيون في منتدياتهم الاجتماعية، وليس حقيقة الأمر، إلا أن مضمونه قد يطبقه فعليًّا الحزب الذي يضرب بأطنابه جذور العملية السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية مطلع العقد الثالث من القرن المنصرم.

فقد قرر الحزب مغادرة زاوية اليسار للتحالف مع أقصى اليمين، في تجمع انتخابي يهيمن عليه التيار الصدري الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي المتشدد السيد مقتدى الصدر، تحالف قد يمكن شيوعيي العراق من الارتقاء إلى مقاعد مجلس النواب العراقي في الدورة القادمة، عله يخفف من جراحات سلسلة الإخفاقات التي مني بها خلال الانتخابات البرلمانية السابقة.

فالحزب الذي يؤمن إيمانًا مطلقًا بالفكر المادي البعيد عن جميع الأعراف والديانات السماوية، ويؤمن أشد الإيمان بمقوله المفكر الألماني كارل ماركس: «إن الدين أفيون الشعوب religion is the opium of the people»، بات على قناعة أن حظوظه بالوصول إلى السلطة لن تمر دون امتطاء صهوة الدين.

فتحت لواء «سائرون» تعاضد الشيوعيين والتيار الصدري وثلة من الأحزاب العلمانية الأخرى للدخول في الانتخابات العراقية التي ستجرى في مايو (أيار) المقبل.

الإيجابي في الأمر أن ما جرى يعد خرقًا غير مسبوق على الإطلاق لمشهد التحالفات السياسية في العراق، سيما أن على مدى الصراع السياسي والاجتماعي في البلاد كان الإسلاميون ينفرون من الحزب الشيوعي جملة وتفصيلًا، ولا يحبذون أن يشتركوا في محافلهم أو منتدياتهم، أو حتى مناقشة الأفكار والرؤى التي قد تجمع الطرفين.

ويزخر التاريخ الحديث في العراق بالكثير من المدلولات التي تؤكد على أصالة العداء بين الإسلاميين والشيوعيين؛ ففي حقبة ستينات القرن الماضي أفتى زعيم الحوزة الدينية في النجف الأشرف السيد محسن الحكيم «عام 1960» بتكفير الحزب وإخراج أعضائه من الملة الإسلامية.

وبدورهم لطالما ألقى الشيوعيون باللائمة والمسؤولية على الإسلاميين بسبب فتوى الحكيم، محملين الأخير مسؤولية فتك السلطات البعثية السابقة بقادتهم ورفاقهم.

وعلى الرغم مما تقدم، يعود الشيوعيون إلى المدينة ذاتها التي انطلقت منها فتوى التكفير؛ ليمهدوا لأنفسهم استعادة زمام المبادرة، يحدوهم الأمل بعودة قوية قد تغير الموازين في العراق، فالعداء التاريخي تمخض في الوقت الحالي عن تحالف متماسك يطير بجناحين «صدري وشيوعي» يصبو إلى الوصول إلى هرم السلطة.

ويعد التيار الصدري من أبرز قوى الإسلام السياسي في العراق، ويتمتع بجمهور واسع في صفوف المجتمع، وسبق أن أطلق عليه بيضة القبان أو صناع الملوك، نظرًا لمساهماته السابقة في دعم الشخصيات التي تولت رئاسة مجلس الوزراء، إذ يعزى إلى التيار الفضل في تولي إبراهيم الجعفري ونوري المالكي، فضلًا عن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، دفة الحكم.

كما يمتلك التيار ذراعًا مسلحًا خارج نطاق الدولة، يصل أعداد مقاتليه حسب بعض المراقبين إلى أكثر من 150 ألف مسلح، وسبق أن حاز نسبة يعتد بها ضمن مقاعد مجلس النواب العراقي، وعلى مدى الدورات النيابية الثلاث.

ويسعى، حسبما يعلن زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، إلى إصلاح العملية السياسية وفق رؤيته الخاصة، والتي تمثلت بانسلاخه من التحالفات السابقة مع الأحزاب الإسلامية الشيعية أولًا، إلى جانب طرح وجوه سياسية جديدة للمرحلة المقبلة، وأخيرًا التحالف مع الأحزاب العلمانية التي يطلق عليها مجازًا في العراق «الأحزاب الوطنية».

ويتمتع زعيم التيار الصدري بمقبولية في الأوساط السنية والمحيط العربي على حد سواء، وتمكن مؤخرًا مقتدى الصدر من إيجاد تفاهمات متبادلة بينه وبين الرياض ودبي والقاهرة، إلى جانب تعزيز حظوته لدى بعض دول الإقليم.

وعلى الرغم مما يبديه الصدر من انفتاح مؤخرًا، وما صاحب ذلك من إجراءات، لا يخفي الكثير من الشيوعيين قلقهم أو تذمرهم مما أقدمت عليه قيادة الحزب العليا؛ فبحسب البعض أن هناك انقسامًا عاموديًّا في صفوف الحزب، كون الكثير منهم يرون مشروع الصدر لا يعدو كونه حصان طروادة، بعد تغير المزاج العام للناخبين العراقيين، وتنامي ظاهرة السخط والتذمر الشعبي إزاء الأحزاب الإسلامية وتياراتها، خصوصًا بعد فشل الإسلام السياسي في بناء دولة أو استعادة ما كان متحققًا في حقبة الرئيس الديكتاتوري السابق صدام حسين.

حجم تلك المخاوف والاعتراضات لم يغادرها الإعلان التأسيسي في بيان الحزب الشيوعي مع التيار الصدري، إذ جاء فيه، «إننا نعي أن هناك بين أعضاء الحزب من كان له رأي مغاير في شأن طريقة مشاركتنا في الانتخابات، فتحفظ على القرار أو اعترض، وهذا حق مصان طالما مارسه وفقًا للسياقات والتقاليد التنظيمية المعتمدة».

وحقيقة الأمر أن الحزب الشيوعي وضع كل ما يملكه في سلة التيار الصدري، وكل ما يملكه الحزب هو لا شيء، فالحزب المتقادم أعدادًا ونشاطًا لا يمتلك سوى إرث من النضال أكل عليه الدهر وشرب، وتحالفهم الجديد قد يبعث في كيانهم الروح مجددًا، ومهما كانت النتائج، فهم الفائز الأكبر، بعيدًا عن التهكم والشعارات الفضفاضة.

أخيرًا، يروى أن هشام بن عبد الملك شاهد عاملًا يعمل في تشييد الجامع الأموي ويبذل من الحماسة والجهد ما يلفت، فقال له يا رجل من أين أنت؟ فأجابه إني من العراق، فقال هشام، قاتلكم الله يا أهل العراق تغالون في الطاعة كما تغالون في المعصية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات