عندما بدأ باراك أوباما عهده رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، في 2008، كان عليه التعامل مع الإرث المُضني الذي خلفه سلفه جورج بوش الابن، الحروب في العراق وأفغانستان، الاقتصاد المتدهور، وكذلك سمعة الولايات المتحدة التي تلطخت وشعبيتها التي انهارت في كل أرجاء العالم.

إحساس المواطنين الأمريكيين بالكراهية المتزايدة لبلادهم كان جليًا في استطلاع رأى أجراه مجلس شيكاغو للشؤون الدولية، في العام نفسه، رأى فيه أغلب المشاركين أن استعادة مكانة أميركا وتحسين صورتها يجب أن يكون من أهم أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة – إدارة أوباما– بشكل يفوق أهمية محاربة الإرهاب وتوفير الوظائف (1).

كان مفهومًا سلوك باراك أوباما الملحوظ والدؤوب، خلال شهوره الأولى في البيت الأبيض، في النأي بنفسه عن سياسات وإرث سلفه. فدشن أوباما عهده بخطاب شهير إلى العالم الإسلامي، ألقاه في جامعة القاهرة في يونيو 2009، تعهد فيه، فيما تعهد، “بفتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم”، وأنه “قد حان الوقت ]للاستيطان الإسرائيلي[ أن يتوقف” (2).

واقعيًا، لا صفحات فُتحت ولا استيطان توقف. هنا يمكن القول إن هذا الخطاب، وما تلاه من وقائع، قد لخّص السياسة الخارجية لباراك أوباما: خطاب جديد وسياسات قديمة. التناقض بين خطاب أوباما التغييري الجديد وسياساته التقليدية القديمة كان جليًا لا تكاد تخطئه عين، فعن أوباما، قال زبيجنبو بريجنسكي – مستشار الأمن القومي السابق في إدارة كارتر– “أنا معجب للغاية بأفكاره ورؤاه ]لكني[ لا أعتقد أن لديه خطة سياسية لتحقيق هذه الأفكار والرؤى.” (3)

لكن لماذا لم يكن بمقدور أوباما صياغة سياسات تتوافق مع ما رآه البعض من نية حسنة وآمال جديدة بثها الرئيس الجديد خلال المراحل المبكرة من قيادته للولايات المتحدة؟ سببان ربما يفسران فشل أوباما، والتناقض بين خطابه وسياساته.

السبب الأول هو شخصية أوباما وأفكاره. لقد ازدرى أوباما أفكارَ المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن، ورؤيتهم الساذجة للعالم كصراع بين الخير والشر، تُتَوّج فيه الولايات المتحدة بالتفوق الأخلاقي على ما سواها. هذا التبسيط المخل لعالم بالغ التعقيد والتناقض اعتبره باراك أوباما أحد الأسباب التي أدت إلى احتلال العراق (4).

أوباما يختلف عن المحافظين الجدد في كونه أكثر عقلانية وبراجماتية. إذًا كان لزامًا علينا أن نضعه في تصنيف معين، فربما يكون أوباما أقرب إلى “السياسيين الواقعيين”، مثله كمثل جورج بوش الأب (5) – كان ذلك رأى رام إيمانويل رئيس طاقم البيت الأبيض الثالث والعشرين.

توصيف “الواقعية السياسية” يفسر إلى حد بعيد لماذا لم يكن الرئيس الأمريكي ثوريًا كما تخيله – أو تمناه– أنصاره. أوباما أقر بنفسه أنه لا يؤمن بسياسات التغيير الجذري حين قال إن “الدول مثل حاويات النقل العملاقة وليست قوارب سباق. ليس بمقدورك فقط إدارة الدفة والإبحار في اتجاه جديد. لكن بدلًا من ذلك، عليك تحريكها ببطء، الأمر الذي قد يقودك بالنهاية إلى مآل مختلف للغاية” .

طبيعة أوباما البراجماتية والحذرة تفسر إحجامه عن تقديم تطبيق حقيقي لأي نوايا أو مبادرات قد تؤدي إلى خسائر سياسية، وذلك بخاصة قبل انتخابه مجددًا في 2012.

تعاطيه مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية كان مثالًا على ذلك. فقد سعى أوباما في بداية رئاسته الأولى إلى مقاربة أكثر عدالة لهذه القضية وكانت نيته، كما بدا للبعض، الضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل تجميد الاستيطان. لذلك فقد رفض أوباما تعيين دينيس روس مسؤولًا عن الملف الفلسطيني- الإسرائيلي في البيت الأبيض نظرًا لعلاقات روس الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والتي كان من شأنها إعاقة مساعي أوباما الأولية نحو حل عادل للمسألة (7).

اختار أوباما جورج ميتشل الوسيط الناجح – خلال إدارة بيل كلينتون– في مفاوضات السلام في أيرلندا الشمالية والمؤيد لإيقاف الاستيطان الإسرائيلي. كانت بداية مُبشرِّة، لكن الدور الذي حاول ميتشيل لعبه تم تقويضه بفعالية من قبل دينيس روس والدوائر المؤيدة لإسرائيل في واشنطن. أوباما الحَذِر لم يكن ليتحدى هذه الدوائر وهو يسعى إلى الاحتفاظ بمقعده في البيت الأبيض في 2012. لذلك، بعد حين، استبعد ميتشيل وجاء بدينيس روس، الذي وصفه نبيل شعث وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق بأنه “مؤيد لإسرائيل أكثر من الإسرائيليين” (8)، ليتولى المنصب الذي شغله لفترة طويلة من الزمن، إدارة ملف عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية!

السبب الثاني للتناقض بين خطاب أوباما وممارساته الفعلية، وفشله في تطوير سياسات جديدة هو طبيعة السياسة المحلية داخل الولايات المتحدة التي تغل يد الرئيس وتحد من حرية حركته، وبخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. هذه السياسة المحلية تتشكل وتُصاغ عبر الكونجرس الأمريكي، جماعات المصالح، وجماعات الضغط (اللوبيات). وفي هذا السياق تتمتع إسرائيل واللوبي المناصر لها بوجود طاغٍ.

من جهة يضطلع الكونجرس الأمريكي بدور حيوي في السياسة الأمريكية. فهو المسؤول عن التصديق على تعيينات الرئيس لكبار المسؤولين السياسيين، إقرار الاتفاقيات والمعاهدات، التصويت على الموازنة السنوية – وبالتالي برامج المساعدات المدنية والعسكرية– وكذلك توقيع العقوبات على أنظمة أو دول خارجية.

وبالتالي فإن الكونجرس بالقوة التي قد تكفي أحيانًا لعرقلة القرارات الرئاسية التي لا تحوز موافقته. ومن جهة أخرى تتمتع جماعات الضغط، ومن أبرزها اللوبي الإسرائيلي، بنفوذ بالغ نظرًا لبنية وطبيعة النظام السياسي الأمريكي الذي تتعدد فيه مراكز القوة السياسية، وبالتالي تتعدد فرص التأثير على صناعة القرار السياسي (9)، وهو الأمر الذي تُحسن تلك اللوبيات استغلاله.

فعندما ننظر إلى الكونجرس الأمريكي لا يمكن تجاهل سلوكه وكأنه يعمل وكيلًا عن إيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية) أحد أبرز مكونات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. فالكونجرس دأب على تخصيص مساعدات مالية هائلة لإسرائيل باستمرار، وكذلك التصديق على قرارات تقدرها الرئاسة الأمريكية نفسها، أحيانًا، على أنها قرارات مؤيدة لإسرائيل بشكل يفوق المعقول (10).

 

ليس مستغربًا إذًا أن يعتبر بعض الخبراء إسرائيل موضوعًا يندرج ضمن السياسة المحلية، لا الخارجية، للولايات المتحدة (11). كى نقيِّم إلى أي مدى، تغل هذه السياسة الداخلية أيدي الرئيس الأمريكي وتكشف عجزه تجاه إسرائيل، سنُلقي نظرة على خطابين ألقاهما الرئيس باراك أوباما يومي 19 و22 مايو 2011 تخللهما لقاءً ثنائيًّا جمع أوباما ونتانياهو في 20 مايو 2011.

الخطاب الأول جاء تعقيبًا على الانتفاضات العربية التي اندلعت في 2011، وفيه ذكر الرئيس أوباما حرفيًّا أن “الحدود بين إسرائيل وفلسطين يجب أن تكون على أساس حدود 1967 مع تبادلات يرضى عنها الطرفان” (12). رغم أن استخدام حدود 1967 كأساس لعملية السلام كان شيئًا معتادًا في الخطاب الرئاسي الأمريكي منذ كلينتون، فقد أثار خطاب أوباما حفيظة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (13).

في اليوم التالي مباشرةً، وفي حضور أوباما، رفض نتنياهو علانية ما ورد في خطاب الرئيس، وأعلن أن إسرائيل لن تعود لحدود 1967 معللًا ذلك بأن هذه الحدود لا تأخذ بالحسبان عوامل كثيرة تغيرت منذ ذلك التاريخ إلى اليوم (14).

بعد يومين من هذا اللقاء، وأثناء خطابه أمام إيباك، تنصل الرئيس أوباما مما ذكره في خطابه السابق بخصوص حدود 1967؛ حيث قال إن ما قصده بعبارة “حدود 1967 مع تبادلات يرضى عنها الطرفان” أن على الطرفين أن يتفاوضا معًا على حدود “تختلف” عن تلك التي وُجدت قبل 4 يونيو 1967، وأردف: “ذلك يتيح للطرفين أنفسهما الأخذ في الحسبان العوامل التي تغيرت على مدار الـ 44 عامًا المنصرمة” (15). تلك الكلمات جسدت حرفيًّا الموقف الإسرائيلي، وما كان لينطق بنيامين نتنياهو بأكثر منها لو كان يخطب هو نفسه أمام إيباك.

تجلىّ أحد مشاهد استعراض نفوذ إسرائيل داخل أروقة الكابيتول، عندما ذهب رئيس وزرائها ليخطب في الكونجرس الأمريكي في 24 مايو 2011، ذلك الخطاب الذي صفق فيه أعضاء الكونجرس – بشكل شبه كامل، ديمقراطيون وجمهوريون– وقوفًا لنتانياهو 29 مرة، فيما أُعتبر “رسالة إلى البيت الأبيض” (16).

باختصار، عندما قارع بنيامين نتانياهو باراك أوباما انهزم الأخير. أوباما الحذر البراجماتي أدرك أن تحدي بنيان السياسة المحلية – ذي المكون الإسرائيلي الصلب– قد يدمر طموحه السياسي وفرص إعادة انتخابه مجددًا رئيسًا للولايات المتحدة. لذلك لم يكن مفاجئًا للغاية تخليه عن آماله في التغيير ومبادراته كلما رأى أنها ستكلفه سياسيًّا.

مؤشرات عدة، من بينها أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن” كان من بين أوائل الرؤساء الأجانب الذين كان الرئيس أوباما حريصًا على التواصل معهم في يومه الرئاسي الأول (17)، أوحت للبعض بنية أوباما الطامحة إلى إحياء عملية السلام، لكن هذه النية سرعان ما ببدتها نفعية أوباما وواقعيته، فلم يلبث الرئيس الذي رفع شعار الأمل والتغيير أن عاد إلى الممارسات والسياسات نفسها التي تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن يومًا وسيطًا عادلًا أو نزيهًا فيما يتعلق بعملية السلام العربية- الإسرائيلية (18).

 

ليس موضوعًا خلافيًا أن أوباما قد آثر السلامة، وأدار ظهره بالفعل لعملية السلام، بل واعتبر أن استثمار جهوده في هذا الملف ربما يكون مضيعة للوقت. إذا كانت صناعة السلام تتطلب شجاعة تقديم تنازلات – مؤلمة عادة– فإن أوباما لم ير في نتنياهو سوى “سياسيًّا جبانًا” (19) لا يريد التوصل إلى تسوية سلمية. بُغض الرئيس الأمريكي لنتنياهو كشفته المحادثة الخاصة بين أوباما وساركوزي، الرئيس الفرنسي آنذاك، والتي التقطتها مايكروفونات الصحفيين – خلال قمة دول مجموعة العشرين في مدينة كان، في نوفمبر 2011– وفيها وصف ساركوزي نتنياهو بالكاذب الذي لا يمكن احتماله، فرد عليه أوباما بما يفيد أنه أتعس حظًا من ساركوزي لأنه مضطر إلى التعامل الدائم مع نتانياهو (20).

موضوع العلاقات التصادمية والعدائية بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو عاد إلى بؤرة اهتمام الصحافة العالمية، قبيل خطاب نتنياهو المزمع إلقائه أمام اجتماع مشترك لغرفتي الكونجرس الأمريكي في 3 مارس 2015، وفيه سيطالب نتانياهو الكونجرس باتخاذ موقف متشدد من إيران، وعرقلة مساعي الرئيس أوباما لإنجاز تسوية سلمية لملف إيران النووي، والتي ما زالت المفاوضات حولها مستمرة. نتنياهو الذي نُقل عنه قوله بأنه قد “شطب” (21) الرئيس أوباما من حساباته، قصد إحراج الرئيس الأمريكي، بل وفي نظر البعض، إهانته. الحقيقة أن مساعي كلا المتنازعين لتقويض مكانة وصورة الآخر خلال السنوات الست الماضية – هي عمر رئاسة أوباما– وإن لم تكن مثمرة، فإنها لم تتوقف.

فمنذ السنوات الأولى لأوباما في البيت الأبيض لم يخفِ مسؤولون كبار بإدارته دعمهم لتسيبي ليفني، الزعيمة السابقة لحزب كاديما، لشغل منصب رئيس وزراء إسرائيل بديلًا لنتانياهو (22). بالمثل، قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2012 استقبل نتانياهو المرشح الجمهوري، ميت رومني، في القدس، وأعد له سلسلة من الاجتماعات والمقابلات التي رمت إلى تعزيز فرص فوزه، والإطاحة بأوباما – خصمهما معًا– خارج البيت الأبيض (23).

 

هذا التحالف بين قيادات الليكود الإسرائيلي والجمهوريين الأمريكيين الذي لم ينجح في هزيمة باراك أوباما في 2012، هو ذاته الذي يسعى إلى تقويض مكانة الرئيس والإضرار بمساعيه الدبلوماسية مع إيران، من خلال الدعوة التي وجهها السياسي الجمهوري جون بينر – المتحدث باسم مجلس النواب الأمريكي ذي الأغلبية الجمهورية– إلى نتانياهو للقدوم إلى واشنطن وإلقاء خطابه أمام الكونجرس، وذلك من دون إبلاغ البيت الأبيض. نتانياهو الذي يسعى إلى الاحتفاظ بمنصبه في انتخابات رئاسة الحكومة الإسرائيلية المرتقبة في منتصف مارس 2015، يحاول رسم صورة غير حقيقية لأوباما على أنه متسامح مع فكرة إيران النووية، والحقيقة هي تمامًا نقيض ذلك.

 

نتانياهو بنزعته اليمينية، وسياساته المتطرفة، يرى أن أي حل، لا يرمي إلى التدمير الكامل والنهائي لبرنامج إيران النووي – حتى إن كان سلميًّا– هو تهاون لا ينبغي السكوت عنه.

الحقيقة أن إدارة أوباما قد فرضت عقوبات قاسية على إيران، وأرهقت اقتصادها بشكل بالغ، وساهمت بشكل رئيسي في اتساع عزلتها الدولية. كما أن أوباما نفسه لم يكف عن ترديد تعهده الحاسم بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بإنتاج أسلحة نووية. كل هذا لم يشفع لأوباما لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يسعى جاهدًا لتخريب التقارب الأمريكي الإيراني. وكما ذُكر سابقًا، مع كل مواجهة بين باراك أوباما وبنيامين نتانياهو، كان الأول يتراجع ويخضع، والأخير يزهو وينتصر، لكن هذا ما لم يحدث في المواجهة الأخيرة بينهما – ومن المستبعد أن يحدث لاحقًا– فما الذي تغيَّر؟

الذي تغيّر أن أوباما لم يعد لديه معارك انتخابية ليخوضها، بعد أن احتفظ بمنصبه رئيسًا للولايات المتحدة. وهو الإنجاز الذي لم يفت أوباما – المزهو بنفسه– تذكير الجمهوريين به في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس في يناير الماضي. صحيح أن الجمهوريين قد سيطروا على الكونجرس بعد أن تغلبوا في انتخابات التجديد النصفي في نهاية 2014، إلا أن أوباما الآن، فيما يبدو، أكثر تحررًا من القيود والضغوط التي صاغت سياساته وممارسته فيما مضى (25).

 

من المنطقي أن تكون أهداف أوباما خلال فترتيه الرئاسيتين، على التوالي، أن يحتفظ بمكانه في المكتب البيضاوي، وأن يصنع مكانة لنفسه في التاريخ. لقد فعل أوباما كل ما بوسعه لتحقيق الأول، ونجح. ويبدو أنه يسعى بنفس الكيفية لتحقيق الثاني.
رغم تعثر الحزب الديموقراطي في انتخابات الكونجرس، إلا أن الأشهر الماضية ساعدت في صعود نجم الرئيس الأمريكي من جديد. فعلى الصعيد الاقتصادي، أعطى نمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 5% بين شهرى يوليو وسبتمبر في العام الماضي (26)– وهو المعدل الأسرع في الـ 11 عامًا الأخيرة– زخمًا جديدًا لصورة أوباما الذي لم يزل يُذكِّر الأمريكيين كيف برع في إدارة هذا الملف وكيف قاد الاقتصاد الأمريكي من الانهيار إلى التعافي والانطلاق.

 

وهو ما أكده أحدث استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “بيو” العريق للدراسات، والذي أكد تعاظم درجة الرضا عن أداء الرئيس أوباما في الشهور الأخيرة إلى 48% في مقابل 26% للقادة الجمهوريين في الكونجرس (27).

أوباما، قبل عامين من رحيله عن المكتب البيضاوي، أثار إعجاب البعض بتحركاته المُبَادِرة الجريئة فيما يتعلق بتوفيق أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، قانون الرعاية الطبية، وكذلك الانفتاح على كوبا بعد سنوات من القطيعة والعداء، رغم أن هذه الخطوات قد أثارت حفيظة وغضب الكونجرس. لم يبد أوباما أي انزعاج من معارضة الكونجرس العنيفة له، بل على العكس، أكد في تحدٍ واضح، قبيل مغادرته لهاواي لقضاء عطلة الكريسماس الماضية، أنه عازم على إصدار المزيد من القرارات الرئاسية – وهو السلوك الذي يصفه الجمهوريون وحلفاؤهم بالديكتاتورية (28)– كلما رأى أن تحقيق الصالح العام يقتضي ذلك.

فيما يتعلق برئيس وزراء إسرائيل، لم يتوارَ أوباما أو يخضع للأمر الواقع كما أعتاد من قبل، بل صرح علانية خلال مؤتمر صحفي جمعه بأنجيلا ميركل في فبراير الماضي بأنه لن يستقبل نتانياهو في البيت الأبيض (29). ومع الإشارات التي صدرت عن نائب الرئيس جو بايدن، ووزير الخارجية كيري، بالإضافة إلى بعض النواب الديموقراطيين (30)_، وزعيمة الأقلية الديموقراطية في الكونجرس نانسي بيلوسي، والتي تشي بعزمهم مقاطعة خطاب نتنياهو، تبدو المعارضة الشديدة لزيارة نتانياهو موقفًا موحدًا متماسكًا للإدارة الأمريكية ككل.

 

يكفي استحضار موقف الأخيرة، نانسي بيلوسي – المتحدثة باسم مجلس النواب آنذاك– حين ألتقى أوباما نتانياهو بفتور في مارس 2010، وكيف أنها أدارت ظهرها للرئيس، واستقبلت نتانياهو بحميمية وأكدت له، “إننا في الكونجرس نقف مع إسرائيل. في الكونجرس صوتنا موحد فيما يتعلق بإسرائيل” (31)، لندرك أن الموقف الصلب الحالي للإدارة الديموقراطية المناهض لنتانياهو هذه الأيام أمرًا غير معتاد. وذلك ما تؤكده أيضًا تصريحات سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي، بأن خطاب نتانياهو ستكون له آثار “مدمرة” على الروابط الأمريكية الإسرائيلية. (32)

رغم ذلك، فمن المتوقع أن يشهد خطاب نتانياهو حضورًا حاشدًا من الجمهوريين والديموقراطيين على حد السواء. نتانياهو الذي يسعى، قبل أسبوعين من انتخابات رئاسة الحكومة، إلى تعزيز مكانته وصورته، في عيون أنصاره ذوي الهوى المتطرف، كقائد لا يتهاون فيما يتعلق بأمن إسرائيل، يصطدم في تلك المرة بطموح الرئيس أوباما الذي يبدو عازمًا على إضافة التسوية السلمية مع إيران إلى سجل إنجازاته في السياسة الخارجية. حتى قبيل ساعات من خطاب نتانياهو ما زالت النداءات تتوالى من أمريكا وإسرائيل تناشده العدول عن الذهاب إلى واشنطن (33) وإلغاء الخطاب.

 

ليس متوقعًا أن يرضخ نتانياهو للضغوط، فقد اعتاد في مواجهاته مع أوباما، أن يكون التقهقر والتراجع من الطرف الآخر. بيد أن الأمر قد تغيّر، فأوباما الذي يتمثله كثيرون كطائر الفينيق الذي نهض من رماد هزيمة الديمقراطيين في نهايات 2014، يُدرك – بحساباته الدقيقة وواقعيته– أن نتانياهو يقف كحجرة عثرة في طريق مجده الشخصي وأسطورته التي ستبقى بعد أن يزول المنصب.

تفاصيل المشهد الراهنة تنفي بشدة أن أوباما قد ينكص على عقبيه، لكن يبقى أن نرى، هل سيتقدم؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Laïdi, Z. (2012) ‘Limited achievements: Obama's foreign policy’, translated by Avery, C., Basingstoke: Palgrave Macmillan. p. 29.
Swisher, C. E. (2009) ‘The truth about Camp David: The untold story about the collapse of the Middle East peace process’. Nation Books. P.32
Hudson, M. C. (2009) ‘The United States in the Middle East’, in Fawcett, L. (Ed.) ‘International relations of the Middle East’. 2nd edition. Oxford: Oxford University Press. P. 321.
Laïdi, Z. P. 153.
Ibid
Ibid
Ibid
Gerges, F. A. (2013) ‘The Obama approach to the Middle East: the end of America's moment?’, International Affairs, vol. 89, no. (2), P. 314.
عرض التعليقات
تحميل المزيد