هل فلسفة أوباما الدبلوماسية في صياغة وقيادة توجهات سياسة واشنطن الخارجية تجاه ملف طهران النووي بالتحديد، تمكنه كما يرى هو وحلفاؤه من الديمقراطيين وأوربا من السيطرة واحتواء الوضع في إيران، وسَيُمكنهُ هذا من جعله بطلاً للسلام والوفاق الدوليين كما دخله الرئيس نيكسون بتوقيعه “الصفقة التاريخية” مع الزعيم الصيني ماوتسي تونغ.

 

 

 

 

 

أم أن هذه المواجهة ورغبته في استكمال المفاوضات ستجعله رمزًا للحرب والاستسلام مثله مثل البريطاني نيفيل تشامبرلين الذي أبرم صفقة ميونيخ “الاستسلامية” مع هتلر عام 1938، كما يقول خصومه الجمهوريون والإسرائيليون والخليجيون؟

 

 

 

 

السؤال هذا مهم الآن، فالأشهر السابقة شهدت صراعات طويلة داخل الولايات المتحدة، ومنها الكونجرس والصراع الذي شهده بين الجمهوريين المعارضين لاستكمال المفاوضات وبين الديمقراطيين المؤيدين لهذه المفاوضات، ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث أيضًا منهم من أيد ومنهم من رفض وعارض استراتيجية أوباما في التعامل مع ملف طهران النووي.

 

 

 

 

 

 

وأيضًا المعارضون خارجيًا ابتداءً من تل أبيب وموسكو وبكين إلى الرياض وأنقرة والقاهرة حول شخصية أوباما وفلسفته في السياسية الخارجية وأهداف هذه الفلسفة، وفي الواقع هي معارك استقطابية، ستتمحور خلالها التقييمات حول سجل أول رئيس داهية في التاريخ الأمريكي بين قطبي، الذكاء الحاد والعبقرية أو السذاجة والغباء.

 

 

 

 

 

لكن، ومن أجل وضع هذه النقاشات الحادة في سياقاتها الموضوعية قبل الوصول إلى الاستنتاجات حول محصلاتها المحتملة المتعلقة بإرث أوباما، ثَمة حاجة أولاً للتطرق إلى الفلسفة التي شيّد عليها أوباما صرح سياساته الخارجية طيلة السنوات السبع الماضية.

 

 

 

 

 

فلسفة أوباما:

أول من وصف فلسفة أوباما في السياسة الخارجية بأنها “مبدأ أوباما”، كان الكاتب الأمريكي إي. جي ديون الذي كتب في 16إبريل 2009 في “واشنطن بوست” ما يلي: “هذا المبدأ هو شكل من الواقعية لا يخشى استخدام القوة الأمريكية، لكنه يحرص على أن يأخذ هذا الاستخدام بعين الاعتبار الحدود العملية لهذه القوة، وأن يترافق مع حقنة من السلوكيات الذاتية الواعية”.

 

 

 

 

 

 

الأولوية القصوى لهذه الواقعية هي الدبلوماسية، وليس العمل العسكري كما كان الأمر مع “مبدأ بوش وتشيني”. وهو أمر أفصح عنه أوباما باكرًا حتى قبل أن يُصبح رئيسًا. فخلال التسجيلات التلفزيونية بين المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، سُئل أوباما هل هو مستعد للتفاوض مع قادة دول على عداوة أو خصومة مع الولايات المتحدة، فأجاب من دون تردد:” أجل. وبلا شروط أيضًا”.

 

 

 

 

 

 

وبعد تربعه على عرش البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة في عام 2009، حدد أوباما سياسته الخارجية بالنقاط الآتية:

 

 

 

 

 

– تحقيق “نهاية مسئولة للحرب في العراق، وإعادة التركيز على الشرق الأوسط الأوسع.

 

 

 

 

– بناء جيش أمريكي للقرن الحادي والعشرين، مع إبداء الحكمة في استخدامه.

 

 

 

 

 

– بذل جهد عالمي لضمان،  وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل وتدميرها.

 

 

 

 

 

 

– إعادة بناء التحالفات والشراكات الأمريكية الضرورية لمُواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، بما في ذلك الاحترار العالمي.

 

 

 

 

 

– الاستثمار في “إنسانيتنا المشتركة”، من خلال المساعدات الخارجية ودعم أسس الديمقراطية المُستدامة، بما في ذلك السلطة التشريعية القوية، والقضاء المستقل، وحكم القانون، والمجتمع المدني الحيوي، والصحافة الحرة، وقوة الشرطة النظيفة”.

 

 

 

 

 

 

هذه التوجهات الخارجية “الموزونة” والحذرة تخدم في الواقع، وحرفـًا بحرف، السياسات الداخلية لأوباما، التي تمحورت (وفق تعبير أوباما نفسه) حول:” إحياء الاقتصاد (الأمريكي) وتوفير العناية الصحية للجميع، وتعزيز التعليم الرسمي وأنظمة الضمان الاجتماعي، ووضع خطة دقيقة للاستقلال في مجال الطاقة ومواجهة مخاطر تغيُّر المناخ”.

 

 

 

 

 

 

ويعترف أوباما بأنه استقى مبدأه من فلسفة المفكر اللاهوتي الأمريكي رينولد نيبوهر (1892-1971)، الذي أثّر أيضًا على مروحة واسعة من السياسيين والمخططين الأمريكيين على غرار الرئيس السابق كارتر، ومارتن لوثر كينغ، وهيلاري كلينتون، وهيوبرت همفري، ودين أتشيسون، ومادلين أولبرايت، وجون ماكين وغيرهم.

 

 

 

 

 

 

 

نيبوهر Reinhold Niebuhr طوّر ما أسماه “الواقعية المسيحية”، ورفض بقوة النزعة المثالية الطوباوية “لأنها غير فعالة في التعاطي مع الحقيقة”. كتب في العام 1944:” إن قدرة الإنسان على العدالة تجعل الديمقراطية مُمكنة، لكن ميل الإنسان إلى الظلم، تجعل الديمقراطية ضرورية”.

 

 

 

 

 

“واقعية” نيبوهر هذه تطورت أكثر بعد الحرب العالمية الثانية، ما دفعه إلى مغادرة معسكر السلام الذي كان يتزعمه، وبات من أشد داعمي “الحروب العادلة” والتصدي بقوة للشيوعية. كما تخلى عن آرائه الاشتراكية السابقة، لكنه شدد على ضرورة موازنة النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.

 

 

 

 

 

الواقعية واللا دبلوماسية:

الآن يبدو واضحًا أن أوباما طبّق هذه التعاليم بحذافيرها، في السياستين الداخلية (الضمان الصحي، ومحاولة الموازنة بين النمو الاقتصادي والضمانات الاجتماعية) والخارجية (الواقعية والبراغماتية، من دون التخلي عن فلسفة القوة).

 

 

 

 

 

 

 

ما يهمنا هنا هو هذه السياسة الخارجية، التي تجلّت واقعيتها ليس فقط في الصفقة الإيرانية، بل أيضًا في إبرام الصلح مع كوبا الشيوعية بعد 57 عامًا من المُواجهات، ومد اليد إلى “الحضارة الإسلامية”، كما فعل في خطابي اسطنبول والقاهرة، واتفاقية التجارة مع 11 دولة في حوض الباسيفيك، والعمل مع الصين على تقليص مخاطر تغيُّر المناخ.

 

 

 

 

 

 

 

لكن، في مقابل هذه الواقعية الدبلوماسية، كان أوباما ينتقل إلى الواقعية اللادبلوماسية، حين تصدى بقوة لتدخل روسيا في أوكرانيا وأدان خرق هذه الأخيرة لاتفاقية الحد من إنتاج الصواريخ متوسطة المدى. كما لم يُخف رغبته في دفع النظام الروسي إلى الإفلاس من خلال العمل (مع السعودية) على خفض أسعار النفط بشكل هائل، واستنزاف القدرات الاقتصادية الروسية في أوكرانيا والقوقاز الإسلامي وسورية.

 

 

 

 

 

 

 

 

هذه بعض ملامح فلسفة أو مبدأ أوباما. وكما هو واضح، ليس في هذه التوجهات ما يُوحي بأن الرئيس الأمريكي تخلى عن أهم مبادئ السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي كانت راسخة منذ زهاء قرنين من الزمن، وهي العمل على تغيير الأنظمة التي تعتبرها الولايات المتحدة خطرًا عليها:

 

 

 

 

 

 

من تدمير النظامين الألماني والياباني خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى تغيير النظام السوفييتي ثم إسقاط إمبراطوريته عام 1991. كل ما هناك أن أوباما يحاول أن يُحقق عبر الدبلوماسية ما يُمكن إنجازه عبر الحرب.

 

 

 

 

 

 

وقد عبّر عن هذا التوجه بقوله:” الدبلوماسية ليست كاملة ولا تعطينا كل ما نريد. لكن ما في وُسعنا عمله هو أن نستخدم هذه الدبلوماسية للعمل على تشكيل الأحداث وفق مصالحنا”. وهذا يعني، بالنسبة إلى الصفقة النووية الإيرانية، أن هدف الواقعية الأوبامية النهائي ليس فقط منع إيران من حيازة الأسلحة النووية، بل أيضًا وبالدرجة الأولى تغيير سلوكيات النظام الإيراني. فهل ينجح في ذلك؟

 

 

 

 

 

 

 

 

التحدي الكبير:

أما عن التحدي الكبير وهو ملف “طهران” النووي، فبعد اجتماع وزراء خارجية القوى العالمية الستة وإيران في فيينا  قبل الاتفاق على موعد نهائي جديد للمفاوضات، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن تطبيق الاتفاق النووي مع إيران سيتم على مراحل، وسيبدأ في غضون 90 يومًا بعد صدور قرار دولي من قبل مجلس الأمن الدولي يدعم المفاوضات، وبعد نجاح أوباما في السيطرة على الأغلبية داخل الكونجرس أصبح تمرير قرار استكمال المفاوضات أمرًا واقعيًا وربما يتم عرضه على مجلس الأمن في الفترة المقبلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا الآن هو التحدي الكبير الذي تُواجهه فلسفة أوباما. فإذا ما نجحت “الواقعية الدبلوماسية” في تحقيق الهدف الأمريكي الرئيس في تغيير السلوكيات الإقليمية (وليس فقط النووية) الإيرانية، سيدخل أوباما التاريخ كبطل للسلام والوفاق الدوليين، كما دخله الرئيس نيكسون بتوقيعه “الصفقة التاريخية” مع الزعيم الصيني ماوتسي تونغ.

 

 

 

 

 

 

 

أما إذا ابتلع الإيرانيون طُعم الاتفاق النووي، أي إذا ما حصلوا على المزايا الاقتصادية الضخمة لهذا الاتفاق وواصلوا سياساتهم الإقليمية “الإمبراطورية”، فسيتهاوى كل صرح مبدأ أوباما الواقعي، وسيخرُجه هذا من التاريخ بدلاً من الدخول إليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبالرغم من التوجهات التصعيدية الإيرانية في الفترة الأخيرة إلا أنها كانت متوقعة في حقيقة الأمر، بسبب تعدد مواقع السلطة وتنوعها في إيران، من جهة، ولأن الصفقة النووية تفرض بالفعل قيودًا مُؤلمة على السيادة الإيرانية، من جهة أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

لكن هذا شيء، واندفاع إيران إلى خرق شروط الصفقة شيء آخر، لأن ما في الميزان هو بقاء أو انهيار الاقتصاد الإيراني برمته بفعل العقوبات الدولية والإنهاك والاستنزاف الإقليميين.

 

 

 

 

 

 

 

 

وهذا بالتحديد ما يُراهن عليه “الشيطان الأكبر” أوباما: أي استخدام جزرة الاقتصاد لدفع إيران إلى تغيير جلدها الأيديولوجي والإقليمي.

 

 

 

 

 

واستنادًا إلى نجاح هذا الرهان أو فشله، سيتحدد خلال الفترة المتبقية لولاية أوباما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد