وصول أعداد المصابين بالوزن الزائد والسمنة إلى 2.2 بليون نسمة في العالم يضع الحكومات العالمية أمام تحدٍ اقتصادي كبير لخفض وكبح سرعة ازدياد هذا الرقم البليوني الذي بدأ بالتضاعف منذ عام 1980، وهذا التحدي يتمثل في محاولات درء الآثار الاقتصادية المترتبة في ارتفاع تكلفة الفواتير العلاجية للأفراد المصابين بالبدانة المفرطة والأمراض المرتبطة بها، كذلك يتمثل التحدي الاقتصادي في التكاليف الخفية للسمنة على المستوى الوظيفي والإنتاجي.

لماذا 2.2 بليون؟

هذا الرقم البليوني (الممتلئ) هي نتاج عوامل عديدة، فما إن بزغت شمس عصر العولمة حتى بدأ العالم بنهج أسلوب حياة مختلف عن ما عهده قبل العولمة، إضافةً للأثر الإيجابي لسياسة تحرير التجارة الدولية في تحسين الاقتصاد الدولي، وعليه بدأت الشعوب في الاستفادة من نتائج العولمة والتبادل التجاري العالمي، فنجد تطور وسائل الحركة والحداثة العمرانية والثورة التكنولوجية وازدهار الصناعات الغذائية، كل ذلك أدى إلى تغيير في نمط حياة الأفراد وتغير محتوى وكمية الأطعمة الغذائية المستهلكة وقلة النشاط البدني والحركي، وكل تلك التغييرات نتج عنها تسونامي السمنة والبدانة، والتي أصابت ثلث سكان العالم. وعلى الرغم من أن كل الأرقام والتوقعات تشير إلى أن هذا التسونامي الوبائي في ازدياد، إلا أن السمنة مرض يمكن الوقاية منه ولا يستحيل علاجه وهذا يستوجب التزام الحكومات في فرض سياسات صحية وغذائية وإطلاق مبادرات توعوية في مختلف قطاعات المجتمع وعلى مستوى الأفراد، ويشجع جميع فئات المجتمع على التقيد والالتزام بحياة نشيطة والابتعاد عن الأطعمة الدسمة؛ ذلك لأن السمنة من أقوى عوامل الخطر لظهور مشكلات صحية مثل بعض أنواع السرطانات، امراض القلب والشرايين، السكري، اضطرابات في النوم ومشكلات الظهر والعظام وغيرها، وتعرض الشخص لإحدى تلك المشكلات يتطلب العلاج والوقت للشفاء؛ مما يؤدي إلى ظهور قصور في اداء المهام اليومية والحياتية الأخرى، وقد تؤدي للوفاة حيث أشارت دراسة بريطانية نُشرت على The New England Journal of Medicine أن السمنة المرتفعة ارتبطت بوفاة 4 مليون في 2015 .

كم تدفع الحكومات؟

أما الفاتورة العلاجية العالمية للسمنة فتتراوح تقديراتها في الولايات المتحدة الأمريكية مابين 147 بليون دولار إلى حوالي 210 بلايين دولار سنويا، تشمل العمليات الجراحية والنفقات الطبية لعلاج الامراض المرتبطة بها، أما في السعودية تصل تكلفة عمليات السمنة ومضاعفاتها إلى 500 مليون ريال سنويًا. وفي المملكة المتحدة، يمكن لهيئة الخدمات الصحية الوطنية توفير مبلغ 1.2 مليار دولاد سنويًا إذا ماعكست اتجاهات السمنة بين مواطنيها، وحسبما وُرد في تقرير السمنة 2017 الصادر من منظمة التعاون الاقتصادي OECD وصلت معدلات السمنة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى (38.2%)، يليها المكسيك بنسبة (32.2%) حيث تصدرت الدولتان قائمة الدول الأعضاء في المنظمة التي تعاني من ارتفاع في نسبة السمنة العالمية ووصلت النسبة في المملكة المتحدة إلى (26.9%). أما الرابح الأكبر للسمنة كان من نصيب معظم دول الشرق الأوسط، حيث وصلت أعلى نسبة دولية في الكويت التي وصلت إلى (42%)، السعودية (35.2%)، مصر (34.6%)، الأردن (34.3%)، الإمارات (33.7%) وقطر (33.1%).

كم يخسر القطاع الاقتصادي؟

أما الضرر الإنتاجي الذي قد تُحدثه السمنة له عدة مبررات، ابتداءً إذا علمنا حسابيًا أن الإنسان يقضي حوالي 30 % أو ثلث عمره في العمل والوظيفة، وذلك يعني 30 الى 36 سنة انتاجية، وعلى ضوء هذه السنوات الإنتاجية تم دراسة الموظفين في بيئة العمل وإيجاد علاقة بين صحة الفرد و معدل الإنتاج، فأشارت عدد من بحوث ودراسات علمية أمريكية إلى أن الوزن الزائد والسمنة هي أحد أسباب أخذ وقت مستقطع اضافي من العمل (إجازات سنوية ومرضية وتغيب) نتيجة للمشكلات الصحية التي تظهر مع السمنة. وفي 2010، أشار تقرير بريطاني إلى أنه 26% من البالغين البريطانيين يعانون من السمنة وفي المتوسط يحتاج شخص يعاني من السمنة إلى 4 أيام مرضية إضافية خلال السنة، وهذا الغياب يؤدي إلى فقد في إنتاجية العمل، حيث يمكن لمؤسسة فيها أكثر من 1000 موظف أن تصل خسائرها السنوية إلى أكثر من 126.000 يورو في السنة بسبب فاقد الإنتاج من الغياب.

أيضًا هنالك بحث تابع لمؤسسة McKinsey&Company عام 2010 عن وباء السمنة يؤكد فيه أن العبء الاقتصادي للوزن الزائد يتجاوز بكثير التكاليف الطبية فقط، حيث أشار إلى أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة لديهم معدلات تغيب أعلى، وهم أكثر عرضة للاحتياج لإجازات عجز قصيرة الأجل. ويؤدي ذلك إلى إثقال أعباء عملهم بـ 60 بليون دولار من التكاليف الغارقة كل عام.

وعزا الباحثون التكاليف الخفية للسمنة إلى حقيقة أن الأفراد المصابين بالبدانة يميلون إلى أن يكونوا أقل إنتاجية في العمل مقارنة بذوي الأوزان العادية وهذا ما أظهرته دراسة جامعة بافالو الأمريكية 2014 والتي قامت بقياس مقدرة الموظفين – بأوزان جسم مختلفة – على اداء مهام محددة، ووجدت أن المصابين بالسمنة كانو أقل في تحمل الوقت اللازم لإنهاء المهام الوظيفية الموكلة إليهم بنسبة 40%، استنادا إلى الأيام المرضية الإضافية التي يحتاجونها؛ مما يؤدي إلى تغيب كبير من الصورة الكاملة للعمل لذا تؤثر السمنة سلبيًا على معدل الإنتاج في العمل.

كيف يمكن لقطاع الأعمال تقليل الخسائر؟

قد يشعر القارئ أن اللوم كله ملقى على الموظف، وهذا خطأ، إذ إن انتشار السمنة بين الموظفين له سبب أولى وهي طبيعة بيئة العمل، والتي قد تشجع على استهلاك كميات أكبر من الأطعمة وتثبط النشاط البدني بطرق عديدة، خصوصًا في الوظائف المكتبية التي تتطلب ساعات طويلة من الجلوس.

أيضًا هذا لا يعني أن تقوم الشركات أو المؤسسات بالتخلص من العاملين المصابين بالسمنة، بل يجب أن تقوم بإجراء تعديلات بقدر ما يمكّن العاملين والموظفين من اكتساب مهارات ضرورية، مفيدة ومطلوبة لتحسين صحتهم. وذلك يسلتزم أصحاب العمل على الاستثمار في برامج لتحسين صحة الموظفين. مثل هذا النوع من البرامج تعزز النشاط البدني للموظفين وتطرح خيارات الأغذية الصحية داخل بيئة العمل؛ مما يساعد الموظفين على الشعور بالقيمة.

مثال ذلك مبادرة مبادرة Fit Business الصحية في مكان العمل التي أطلقتها شركة يونيليفر Unilever كجزء من برنامجها العالمي لتحسين صحة الموظفين والتغذية لخفض مستويات السمنة وداء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية. ويستند فيت الأعمال على توفير المعلومات للموظفين لمساعدتهم على اتخاذ خيارات أسلوب حياة صحي. وهي تتضمن مقياسًا لقياس النشاط البدني، ومعلومات عن التغذية في قوائم الطعام في مطاعم الموظفين، ودروس رئيسية للطهي الصحي، وفحوصات صحية. تم تجريب فيت بسينيس في عام 2009 مع 2000 موظف وتقييم مستقل من قبل معهد بحوث السياسة العامة (إبر). ووجد المسح أن 62٪ من الموظفين أبلغوا عن زيادة في الطاقة و 46٪ أدخلوا تحسينات على نظامهم الغذائي. عمومًا كانت هناك تخفيضات مشجعة جدا في السمنة وتحسينات في اللياقة البدنية. وقد فاز البرنامج بعدد من الجوائز، وتم طرحه في أكثر من 30 موقعًا في المملكة المتحدة وأيرلندا يصل إلى 7000 موظف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد