«اسكت! اكتب وأنت ساكت».

كم مرة سمعت هذا، أو شيئًا من هذا القبيل؟

نحن نستمع إلى التعليمات والتوجيهات والأوامر كل يوم.

ما الذي يجعلنا نطيع تلك الأوامر أو نعصيها؟

طاعة الأوامر تلعب دورًا كبيرًا في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، من المتوقع أن يكون الطفل مطيعًا للمعلم أو المعلمة بالمدرسة. ومن المتوقع أن يكون الموظف مطيعًا لرؤسائه. طاعة الأوامر بشكل عام متوقعة من معظم الناس بطريقة أو بأخرى؛ ولكن ما هي الطاعة؟ الطاعة هي انصياع الشخص للأوامر أو القواعد التي وضعتها سلطة (أو شخص) معترف به من قبل الفرد (المعلمون وأولياء الأمور وأرباب العمل وما إلى ذلك) عند حدوث الطاعة يكون الفرد قد تنازل عن إرادته الحرة إلى ممثل السلطة لينفذ الأوامر والتعليمات كما يريد ممثل السلطة، وإن اعتقد الشخص أن ما يطلب منه غير صحيح سواء من الناحية الفنية أو الأخلاقية. ولكن إذا قرر الشخص عدم إطاعة الأوامر يؤدي هذا إلى العصيان. دعنا لا ننكر أن بعض الأوامر تصب في مصلحة الفرد والمجتمع ولكن هذه الأوامر ليست موضوعنا اليوم.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وانتشار ما يسمى بالمحرقة اليهودية، تساءل ستانلي ميلجرام Stanley Milgram، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت، «هل الألمان مختلفون؟» لكي يقوموا بمثل هذه الأفعال اللاأخلاقية من قتل واغتصاب وتعذيب وإن كانت تلك الأفعال بناء على أوامر من قادتهم. لكنه سرعان ما وجد أننا جميعًا منصاعون لطاعة ممثلي السلطة بطريقة مدهشة. وفي واحدة من أكثر سلسلة تجارب شهرة وإثارة للجدل في علم النفس، في الفترة (1963-1974)، أثبت ميلجرام أن معظم المشاركين بتجاربه بنسبة 65% من شأنه أن يعطي ضحية عاجزة صدمات كهربائية قاتلة عندما يؤمر بهذا.

لماذا يطيع الناس أوامر ممثلي السلطة؟

فسر ميلجرام سلوك المشاركين في تجاربه بأن الناس عمومًا لديهم حالتان سلوكيتان عندما يتعرضون لأي وضع اجتماعي:

  • الحالة المستقلة The Autonomous State، وهي أن الناس يقومون بإدارة أفعالهم، وأنهم يتحملون مسئولية تلك الأفعال مهما كانت النتائج.
  • الحالة العميلة The Agentic State، وهي أن يقوم الناس بالسماح للآخرين بإدارة وتوجيه أفعالهم، وتحميل مسؤولية النتائج المترتبة على هذه الأفعال على الشخص الذي أعطى الأوامر أو التعليمات. وبعبارة أخرى، أنهم بمثابة وكلاء أو عملاء لإرادة شخص آخر.

أوضح ميلجرام أنه يجب توفر أمرين لكي يدخل الشخص في الحالة العميلة Agentic State:

  • الشخص (ممثل السلطة) الذي يقوم بإصدار الأمر يجب أن يكون مؤهلًا لتوجيه سلوك الآخرين، وبتمثيله للسلطة يكتسب الشرعية لإصدار تلك الأوامر.
  • الشخص الذي أصدر له الأمر يجب أن يكون معتقدًا تمام الاعتقاد بأن السلطة ستقوم بتحمل مسئولية تلك الأفعال دون أدنى مسئولية عليه.

بناء على نتائج تجاربه أرسى ستانلي ميلجرم قواعد نظرية العمالة أو الوكالة Agentic Theory. وافترض أنه إذا كان الناس يرون أنفسهم أفرادًا فسوف يقومون بالرد على أوامر ممثلي السلطة أفرادًا في الحالة المستقلة The Autonomous State دون الدخول في حالة العمالة أو الوكالة Agentic State.

تجربة هوفلينج 1966

أجرى تشارلز هوفلينج Charles Hofling وآخرون عام (1966) دراسة عن طاعة الأوامر في بيئة عملية. وكان المشاركون 22 من الممرضات اللاتي لم يكن يعرفن أن هناك دراسة ما تُجرى. تلقت الممرضات مكالمة هاتفية أثناء العمل من الدكتور سميث، الذي طلب منهن إعطاء 20 ميليجرامًا من دواء  Astrofen لمريض ما. وكان هذا ضعف الجرعة المسموح بها من هذا الدواء ومذكور على علبة الدواء الجرعة المصرح بها وأن أكثر من هذا خطر على حياة المريض. ومع ذلك، قام 21 من أصل 22 من الممرضات بإعطاء المريض الجرعة التي أقرها الدكتور سميث (بالطبع كان بالأمبول محلول ملحي لا يضر). بعدها قام الدكتور هوفلينج بسؤال 22 من الممرضات الأخريات إذا ما كن سيطعن أوامر الدكتور سميث، فقالت 21 منهن أنهن لن يقمن بإعطاء الجرعة الزائدة للمريض!

وبناء على نتائج تلك التجربة أوضح هوفلينج أن الناس غير مستعدين لمعارضة ممثلي السلطة وإن كان لديهم سبب وجيه لذلك.

تجربة سجن ستانفورد 1971

قام البروفيسور بجامعة ستانفودر فيليب زيمباردو بتقسيم مجموعة من الشبان إلى مجموعتين؛ سجناء وأخرى حرس، ووضعت في بيئة تشبه السجن في الطابق السفلي من قسم علم النفس في جامعة ستانفورد. وكان من المفترض أن تستمر التجربة لمدة أسبوعين. ولكن نتيجة لوحشية الحرس، ومعاناة السجناء كانت فظيعة جدًا لدرجة أنه كان لا بد من إنهاء التجربة بعد ستة أيام فقط.

أوضح زيمباردو أن العدوان الذي قام به الحرس كان نتيجة طبيعية كونهم يلبسون الزي الرسمي للحرس، ويوضح أن هناك قوة كامنة في هذه النقطة. بالإضافة إلى أن الحرس قاموا بهذه الأفعال لاعتقادهم أنهم لن يلاموا عن هذه الأفعال.

أمثلة من واقع الحياة

مذبحة ماي لاي.. فيتنام

في 16 مارس 1968 قامت مجموعة من اللواء الحادي عشر بالجيش الأمريكي بالهجوم على قرية ماي لاي الفيتنامية إبان حرب فيتنام، وكانت الأوامر هي (ابحث ثم دمر). وسرعان ما تحول الهجوم إلى مذبحة لأكثر من 300 مدني أعزل من النساء والأطفال وكبار السن. أمر قائد الميدان بإطلاق النار بشكل عشوائي وإضرام النيران بالبيوت. ووفقًا لتقارير شهود العيان والتي عرضت بعد وقوع المجزرة، تم طعن عدد من كبار السن من الرجال والنساء وإطلاق النار على الأطفال في الجزء الخلفي من الرأس، وتعرضت للاغتصاب فتاة واحدة على الأقل ثم قتلت. ثم أمر قائد الميدان بحفر خندق كبير ووضع فيه سكان القرية الموتى والأحياء وأمر بإطلاق الرصاص عليهم.

مجزرة رابعة.. مصر

في 14 أغسطس 2013، وبناء على تعليمات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وإدارة العمليات بوزارة الداخلية، قامت قوات الشرطة والجيش بالتحرك لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وقد استخدمت قوات الفض القوة المفرطة في فض الاعتصام، وقام أفراد وضباط الجيش والشرطة بإضرام الحريق بجثث القتلى، وسحق المعتصمين العزل بالجرافات، وإخلاء المستشفى الميداني بالقوة وإطلاق النار على الجرحى، وإحراق مسجد رابعة العدوية بمن فيه من معتصمين ومصابين بحجة وجود سلاح بداخله، وأوقعت تلك الأحداث نحو 800 قتيل وأكثر من 4000 مصاب. وطوال السنوات الثلاث الماضية، ما زالت قوات الجيش والشرطة تقوم بالكثير من الأفعال الإجرامية مرورًا بمذبحة الحرس الجمهوري، وحادثة عربة الترحيلات، وضرب بنات جامعة الأزهر، واغتصاب البنات بالمدرعات من قِبل الضباط وبمساعدة العسكري الغلبان.

يجب علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا كنا سنفعل لو كنا في تلك المواقف؟

هل كنا سننصاع لأوامر ممثلي السلطة، أم كنا سنعصي تلك الأوامر؟!

قبل أن تجيب؛ راجع تجربة هوفلينج.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- الانصياع للسلطة.. ستانلي ميلجرم Obedience to Authority.
- تأثير إبليس.. فيليب زيمباردو The Lucifer Effect.
- تأثير إبليس.. فيليب زيمباردو The Lucifer Effect.
عرض التعليقات
تحميل المزيد