حينما تتحول العبادة والصلاة إلى مشقة ومعاناة! وحينما يصير الخشوع والابتهال ألمًا وأنينًا بدلًا من أن يكون شفاءً واطمئنانًا! عن مريض الوسواس القهري أتحدث!

الوسواس القهري مرض نفسي شائع في مجتمعاتنا العربية، ولكن هذا المرض يظهر في مجتمعاتنا غالبًا بصبغة خاصة قد تختلف عن المجتمعات الغربية لأنها متعلقة بالدين، خصوصًا الملتزمين دينيًّا، إذ يتمكن هذا المرض من الإنسان المتدين إذا كان لديه الاستعداد الوراثي والجيني لهذا المرض، وإليكم طرف من أخبار هذا المرض:

تبدأ القصة في بيت من بيوت مجتمعنا، فتى صغير أشرقت في قلبه شمس الإيمان والالتزام، فقرر التمسك بدينه وثوابته ملازمًا لبيوت الله، ومداومًا على الصلوات في أوقاتها، لا تفوته صلاة، لا ينفك يتلو كتاب ربه ينهل من معينه الذي لا ينضب ويتنسم نسيمه الذي لا يندثر، يفرح أهله بذلك؛ فالابن الصالح هو قرة عين أبويه، يراعي حق والديه كما يراعي حق ربه، ولكن لا تلبث أن تتغير الأوضاع وتختلط الأمور حين يلاحظ الأهل أشياء غريبة على ابنهم، إنه صار يعيد وضوءه أكثر من مرة! بل صار يطيل في الوضوء والطهارة الوقت المديد متشككًا في صحته، وحين يدخل في صلاته في المسجد لا يلبث أن يخرج منها ليعيد وضوءه، ثم يعود مرة أخرى ليصلي فتنازعه نفسه لتكرار الوضوء والتأكد من الطهارة، ولكنه يخشى أن يلفت انتباه الناس إليه فيختم صلاته معهم، ثم يعيد وضوءه مرة ثانية ويصلي وحده حزينًا مغمومًا على ضياع ثواب صلاة الجماعة منه! يتواتر ذلك الأمر حتى يؤثر في حياة هذا الشاب، ويبدأ الأهل يلاحظون هذه الأشياء على ابنهم، فماذا يكون رد فعلهم تجاه ما يحدث؟ إنه الهجوم على ابنهم متهمين إياه بالتشدد والتزمّت في الدين، فيبدؤون محاربته والتضييق عليه مدعين حرصهم على ابنهم الذي بدأ يضيع منهم! فتضيق الدنيا على هذا الفتى المسكين الذي لا يدري ما يفعل، ولا يدري ما الذي حلّ به فيحزن وينهار. هذه قصة.

قصة ثانية تحدث حين يبدأ الشاب المتدين تختلط عليه صلاته، فمثلًا حين يكبّر تكبيرة الإحرام تراه يعيدها أكثر من مرة، إنه ليس متيقنًا من أنه نطقها نطقًا صحيحًا فيخشى أن تبطل صلاته لتركه ركنًا من أركانها، فيعيدها ويجوّدها كل مرة، ثم تبدأ المعاناة مع الفاتحة! كلما قرأ آية منها ظن أنه أخطأ فيها فيعيدها ويكررها، ثم يركع الإمام ولم ينته صاحبنا بعد من الفاتحة فتجده يُرهَق ويُنهَك، والقصة نفسها تحدث مع التشهد، لا يستطيع الانتهاء منه قبل الإمام فترى الإمام قد انتهى من الصلاة وهو لم ينته من التشهد بعد؛ فينتهي من صلاته بعد وقت طويل!

لقد تحولت الصلاة لهذا الفتى إلى معاناة ومشقة بالغة بدلًا من أن تكون راحة وسكونًا واطمئنانًا، حتى تراه يفرح الفرح الجمّ حين ينجح في مهمة إنهاء صلاته، وكأنه قام بفتح مبين! فيتوافد عليه اللائمون والناصحون من كل حدب وصوب ليكفّوه عن فعله ظنًا منهم أنها وساوس شيطان يريد التلبيس على الفتى في صلاته، فيزداد حرج الفتى وخجله منهم، وينصرف عنهم مهمومًا ومجروحًا لا يعرف ما به، ولا يدرك ما أصابه!

شخص آخر تراه بين المصلين في المسجد يقرأ القرآن والتشهد والأذكار بصوت مرتفع، وهو يشدد على نبرات صوته ويجود مخارج حروفه بصورة ملفتة للانتباه، فيتأذى الناس منه ويهاجمونه، والمسكين بين نارين، نار شكه في قراءته وصلاته وخوفه من الله، ونار الهروب من الناس الذين صاروا يزدرونه ويتغامزون له ويتهامزون!

بعضهم وصل به الأمر أنه صار يشك في أنه لا يصلي لله! بل يصلي لغيره ويتوارد في ذهنه أشخاص في صلاته فيحس أنهم هم وجهته وقبلته فيظن أنه أشرك بالله؛ فيصاب بالانهيار التام!

وبعضهم من ذوي العقليات العلمية صار الوسواس لديهم متعلقًا بإثبات صحة الدين وأنه هو الدين الحق، فتراه يكثر من القراءة في كتب المناظرات بين الأديان والكتب السماوية، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد فنفس هذه الكتب يقرؤها ثانيًا وثالثًا ليتأكد من طرد الأفكار التشكيكية في ذهنه وعقله!

إننا أمام مرض نفسي عُصابي قد يصيب أي أحد منا إذا كان لديه الاستعداد الوراثي، لا علاقة بين هذا المرض والتدين، وليس التعمق في الدين والتشدد فيه كما يظن الجهلاء يؤدي إليه حاشا لله؛ فكثير من الملتزمين دينيًّا لا يحدث لهم ذلك، نحن فقط أمام مجتمع جاهل لا يعرف معنى المرض النفسي، بل لا يعرف الطريق للطبيب النفسي أصلًا! ولو أن الأهل الذين يصاب ابنهم بهذا المرض يفهمون أو يعقلون ما هاجموه ولا نبذوه، وإنما أخذوا بيده إلى الطبيب النفسي ليصف له الدواء الصحيح المناسب له فيشفى ابنهم، ويعود لممارسة صلاته وعبادته بلا عناء ولا مشقة مثل بقية المتدينين الذين لا نراهم يعانون تلك المعاناة؛ بل يطمئنون من قربهم من الله حتى تصير جنتهم وبستانهم في صدورهم، ولو أن رواد المساجد الذين يتغامزون ويتلامزون لهذا المريض المسكين كان عندهم أدنى ثقافة بالمرض النفسي لما أساؤوا إليه؛ بل أرشدوه إلى طريق الطبيب الذي هو طريق الشفاء بإذن الله.

إن من أهم أسباب دوامة الألم التي يعاني منها الشاب المصاب أنه قد يصاب بذلك في سنّ مبكرة، فليس لديه من الوعي الثقافي ما يؤهله لفهم مشكلته، فتجده محتارًا لحاله يحاول مداراته ويخجل من نفسه مما يصيبه، وأقصى ما يأتي في باله أنها وساوس شياطين قد تمكنت منه! وهو معذور في ذلك، خصوصًا أن يكون كبار السن من حوله يجهلون أن هذا مرضًا يحتاج للعلاج.

كثير من شبابنا الملتزمين المحبين للخير وقعوا في تلك الدوامة، ولم يجدوا حبل نجاة ينقذهم حتى تدهور حالهم وأصيبوا بالتحطم والانهيار ريثما فهموا طبيعة مرضهم بعد وقت متأخر وعرفوا طريق الطبيب بعد فوات الأوان، وما ذلك إلا جريمة مجتمع هيمن فيه الجهل، فهل تنتشر ثقافة المرض النفسي في بلادنا يومًا ما لننقذ أجيالًا قادمة مما ابتلي به السابقون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد