عادةً ما يأتي اضطراب الوسواس القهري والقلق العام والبانيك «الهلع»، جرس إنذار للتعبير عن نمط مضطرب في الشخصية، يعرف باسم الشخصية الوسواسية. وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ عند الحديث عن اضطراب الشخصية الوسواسية هو مرض الوسواس القهري. ولكن هناك فرقًا واضحًا وكبيرًا بين مفهوم اضطراب الشخصية الوسواسية كاضطراب في الشخصية، ومفهوم اضطراب الوسواس القهري كمرض، ربما كان لنا مجال آخر نتحدث فيه باستفاضة عن الفرق بين المفهومين.

أما عن اضطراب الشخصية الوسواسية، فهو الجزء المريض لدى الشخصيات الوسواسية، أي لدى أولئك الأشخاص الذين تنشّؤوا على الكمالية في النظام والترتيب والعمل، وعزل المشاعر، وعقلنة الأحداث؛ رغبةً في فرض سيطرة تضمن لهم الأمان المطلق، أيفتقدون الأمان إذن؟ نعم، هم يفتقدون الأمان، وحري بالذكر هنا توضيح الفرق بين الأمان المدرك، والأمان في الواقع، فهؤلاء ممن يعانون من اضطراب الشخصية الوسواسية تكمن مشكلاتهم بوضوح في الأمان المدرك، وليس في الأمان الفعلي، والمقصود بالأمان المدرك هنا «الأمان كما يدركه ويقدره الشخص صاحب الاضطراب»، فلو تتبعنا المسح الذي يركز على رصد هؤلاء لوجدنا معظمهم من الأطباء، والمهندسين، وأساتذة الجامعة، والجراحين، وأولئك ممن يشغلون مراكز اجتماعية مرموقة.

بالطبع لا أقصد أن العلاقة بين اضطرب الشخصية الوسواسية والمركز الاجتماعي هي علاقة سببية، حتى لا يظن البعض أن وجود ذلك الاضطراب يعزز فرص تقلد مراكز اجتماعية مرموقة أو العكس، ولكن أقصد أن هناك ارتباطًا قويًّا بين المفهومين، يرجع لسبب آخر يرتبط بالكمالية في تبنى معايير للأداء تضمن الفوز في التسابق مع الآخرين والزمن. ويكمن وجه الربط الواضح بين المتغيرين في الأمان المدرك، أي ما يراه هؤلاء ويعتقدونه آمنًا بالنسبة لذواتهم. وينصب أمان هؤلاء من مرضى اضطراب الشخصية الوسواسية حول ما يسمى بتقدير الذات «أي مفهوم الشخص والصورة التي يرى ذاته عليها» ويصارع هؤلاء طوال حياتهم في مقاومة مهددات تقدير الذات، فنجد ذوات هؤلاء محاطة بأسوار وأعمدة من مجموعة من تلك القواعد و الفروض أو «اليجبيات» أو «الينبغيات»، شخصية كانت أم اجتماعية صارمة، بدافع حماية ذواتهم من التهديد.

فمن الطبيعي أن يكون منا من يكمن أمانه في جو أسري خالٍ من المشكلات، ومنا من يكمن أمانه في توفير قوت يومه، ومنا من يكمن أمانه في بيئة آمنة سياسيًّا، لكن هؤلاء الوسواسيين فيكمن أمانهم في تقدير ذات محمية من التهديد، والمقصود هنا بتقدير الذات تلك الفروض والقواعد والشروط شديدة الكمالية والصرامة واللاواقعية في توفير معايير بلوغها، والتي يجب أن تكون ذواتهم عليها حتى يستحقوا التقدير من أنفسهم أولًا، ومن المحيط ثانيًا. من تلك الفروض التي يتبناها هؤلاء ممن يعانون من اضطراب الشخصية الوسواسية على سبيل المثال «يجب أن أكون الأنجح وإلا سأصبح الأفشل- يجب أن أنجز عملي كله بمفردي وإلا فأنا لست جدير بالمسئولية– إذا لم أكن أفضل العاملين بمجال تخصصي فأنا سيئ… إلخ»  تلك الفروض منها ما هو قابل للتحقق في مواقف معينة، ومنها ما هو ما هو مستحيل في ظل ظروف ومواقف أخرى تمتلئ بالصعوبات، التي قد تكون الفجوة بينها وبين إمكانات الفرد المضطرب كبيرة جدًّا، إلى الحد الذي ينتهي معها للإحباط، ولكن الجديد هنا أن الإحباط هنا يختلف عن الشعور الذي يألفه عامة الناس، إحباط الذات في الوصول إلى فروض التقدير والاحترام الشخصي، المبني في الأساس على معايير في الغالب غير واقعية، ولوم الذات بل وجلد الذات التي لا تئِّن ولا تهدأ إلا بمحاولة الوفاء بالفروض و«الينبغيات» التي يحتاجها كي يستحق الاحترام في تقديره، أو بالانسحاب هروبًا من احتمالية الفشل في خوض تحدٍ يهدد تقديره لذاته، التي تعودت على الكمالية في نيل المطالب، من باب أن الخطأ الواحد يساوي الخطأ التام.

وكلما تكررت الإحباطات، كلما ارتفع القلق وزاد الشعور بالتهديد إلى الحد الذي يجعل الفرد ضحية الصراع الدائم بين ما هو مراد، وفقًا لمعايير تقدير الذات الخاطئة التي تنشًّأت في شخصيته منذ الصغر، وبين ما هو ممكن، وفقًا لإمكانياته وقدراته وظروفه الخاصة التي لا تسمح بأكثر مما يتجاوز حدودها، ومع استمرار الصراع، ومع استمرار شعور القلق والتهديد ترتفع حساسية الفرد الفسيولوجية ناحية المثيرات والمواقف التي تهدد شعور الفرد بالتقدير، إلى أن تتصاعد المخاوف إلى مخاوف متطرفة، من شدة خوف الفرد منها في الواقع يميل لتجنبها، ونظرًا لأن الاقتحام وليد التجنب؛ تميل تلك المخاوف إلى أن تتحول لأفكار وصلت من شدة تطرف الخوف إلى أفكار اقتحامية بشكل لا إرادي، كما يحث في حالة الوسواس القهري أو الخوف المبالغ فيه بشأن تداعيات الأحداث العادية والمهمة، كما يحدث مع المرضى الذين يعانون من القلق العام وقد تتصاعد أعراض القلق البدنية مع كل ذلك تدريجيًّا لأعراض ضربات قلب سريعة، وضيق شديد في التنفس، وصداع مستمر، وآلام بالصدر قد يفسرها الشخص بأنها ستفقده السيطرة على ذاته، أو ستخل إحساسه بالواقع، أو ستؤدي لأمراض خطيرة تؤدي به إلى الموت، وهذا ما يظهر لدى المرضى بما يسمى بالبانيك أتاك أو نوبات الهلع.

إن كنت ممن يعانون من اضطراب الشخصية الوسواسية الذي يتطور لأمراض كالوسواس القهري، والقلق العام، والهلع كما هو موصوف في السابق؛ عليك زيارة اختصاصي نفسي ماهر في استخدام أساليب العلاج المعرفي السلوكي متعدد الأبعاد للعلاج، قبل أن يتطور الاضطراب لاكتئاب شديد، وخلل في الأداء الوظيفي لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اضطراب
عرض التعليقات
تحميل المزيد