يسعى المتظاهرون منذ أكثر من شهرين، وبكل ما أُوتوا من قوة لإصلاح الخريطة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسيكولوجية للمجتمع العراقي، وقد سَقطَ من أجل تحقيق هذه الإصلاح الكثير من الشهداء، وكثيرٌ من الجرحى، وخُطف وغُيب الكثير من هؤلاء وبقوا مجهولي المصير لحد هذه الساعة، ولم يسلم هؤلاء المتظاهرون من قالة السوء التي تُرّوج لها قنوات السوء، فاتهموا بدينهم وبأصالتهم، وأحسابهم، وأنسابهم، إضافةً إلى نسبتهم للخيانة والمروق من الدين بالكلية، وقد اشترك في وضع هذه العوائق والعلائق أمام المتظاهرين جميع الطائفيين، ابتداءً من أصحاب المليشيات، وانتهاءً بأولئك الذين يمدونها بالمال والعتاد، والنصرة لهم بالمال والولد.

ولكن يبقى من أقوى هذه العوائق أمام هؤلاء المتظاهرين في سبيل تحقيق الإصلاح الشامل لهذا الوطن السليب، هم أولئك الأحزاب وتلك المليشيات. فهؤلاء دولةٌ فوق الدولة، وهم صنيعة إيران لأجل تحقيق أهدافها التي لا تتفق مع قوانين المجتمع الدولي، فهنالك دولة في الظاهر يتعامل معها المجتمع الدولي، وتتماشى، بل تتماهى مع ضرورات ومتطلبات ذلك المجتمع وقوانينه، وهنالك دولةٌ أُخرى هي في الحقيقة فوق الدولة، ولكنها لا تبدو للعيان، وإنما تسيرها أطراف خاصة. لها ولاءات وانتماءات وبرامج خاصة؛ لا يمكن إظهارها إلى العلن، وإنما هي على الحقيقة – الدولة العميقة – وهؤلاء قد جيشوا الجيوش من الجواسيس الذين يتمظهرون بمطالب المتظاهرين في الظاهر، ومن ثم ينقلون أخبار أولئك النشطاء من أولئك المتظاهرين لأجل رصد حركاتهم ومن ثم يكون هؤلاء المناضلون بين أحد أمرين: الأول: القتل غيلةً، والثاني: الخطف والتغييب، ويمكن لنا القول بأن نسبة عدد هؤلاء الجواسيس لعدد هؤلاء المتظاهرين واحد لكل 10 متظاهرين، وقد بدأت تلك السياسة من أول يوم بدأت فيه المظاهرات.

لقد ابتدأ المتظاهرون مظاهراتهم بسلمية تامة، وليس في قلوبهم غلٌ على أحد من أبناء الوطن، فكان جُل هُتافهم وخلاصتهُ «نريد وطن» تعبيرًا منهم لضياع وطنهم وثرواته في صراعاتٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وإلا ما الذي يدعو العراق أن يدفع بثلة كبيرة من شبابه ليقاتلوا خارج حدود الوطن، مشفوعين بثلث ميزانية العراق؟ وما المصلحة من ذلك؟ وما ذنب العراقيين أن يتحملوا وزر الحصار الذي ضربته الولايات المتحدة على إيران بعد إصرارها على مشروعها النووي؟ فيدفع العراقيون الثلث الآخر من تلك الميزانية لإيران، لأجل تخفيف عنها آثار ذلك الحصار، وأما الثلث الأخير من تلك الميزانية ففي أيدي اللصوص من قادة تلك الأحزاب وتلك المليشيات، ولو توقف الأمر على ذلك لكان الأمر هينًا، ولكن هذه الأحزاب والميليشيات أصبحت لها اليد الطولى في التصرف التام في مصائر العراقيين كافة، فهي تقتل، وتسلب، وتحرق وتهجر، وليس هنالك من نكير، بل إن كل أفعالها تلك عند أولئك الطائفيين تحُاط بهالة من القدسية، فلا يصح بحالٍ من الأحوال توجيه النقد لتلك الأفعال؛ لأن توجيه النقد لتلك الأحزاب وهذه المليشيات يعني بالضرورة نقد وتوبيخ المرجعية القابعة في النجف، وبالتالي وبحسب الروايات الطائفية فإن الراد على هذه المرجعية رادٌ على الإمام، والرادُ على الإمام رادٌ على الله سبحانه وتعالى، وهو على حدّ الشرك، وبهذا فيكونُ الراد على المرجعية خارجٌ عن دين الله فيحل عليه التنكيل والقتل، بل يجب ممارسة عليه كل أصناف الإذلال.

ومع صبر أولئك المتظاهرين على كل هذا التنكيل، نجد جميع القنوات الفضائية الحزبية تتهم المتظاهرين بالخيانة والتآمر، وهم قطعًا عند أصحاب تلك القنوات الناطقة باسم تلك الأحزاب ينفذون أجندات خارجية قد تكون أمريكية، أو إسرائيلية، أو سعودية، وينطلق أصحاب الأحزاب في عداوتهم للمتظاهرين من باب حرصهم على الجاه والسلطان والمال، فإذا ما علمنا أن قادة تلك الأحزاب لايعرفون دينًا، ولا يخافون ربًا، فقد بلغ بهم الطُغيان ما لم يبلغهُ فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى، فإنهم لا يتورعون ساعةً في قتل مئات العراقين تحت ذريعة الحفاظ والدفاع عن المذهب، فالمأثور الذي يقرأه قادة تلك الأحزاب وأذنابهم يتيح لهم الأمرين، فذنوبهم مغفورة مهما كانت؛ لأنهم يدافعون عن حياض الدين والمذهب، وأما المال الذي تسحته بطونهم فهي من نوع تلك المغانم التي هي لهم حق خالص من دون الناس، أما عامة الناس من أولئك الطائفيين فهم حين يكيدون لأولئك المتظاهرين وينعتونهم بأسوأ النعوت فذلك من باب حرصهم على ما شابوا عليه من دين ما أنزل الله به من سلطان، لا يعرفُ عدلًا، ولا يعبد ربًا، اللهم إلا المخلوقات من البشر، والشجر، والحجر، فهذه المظاهرات مست كل مقدس عند هؤلاء المتمظهرين، فلا مجال إذًا لمداراتهم أو التصنع لهم، أو الرفق بهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد